منذ عدة سنوات كان ابني أكرم قد تعرض لعدة أمراض في الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي، وحفيت أقدامي وأنا أتجول بين عيادات الأطباء البشريين والأطباء النفسانيين، واضطررت ذات مرة الى الاستعانة بالدكتور خيري السمرة للكشف على أكرم فجرا بعد أن هاجمته نوبة شديدة من المرض. والغريب أن الأطباء الكبار الذين ذهبت اليهم في القاهرة أجمعوا على أنه لا يعاني من مرض عضوي.. وأطباء النفس الكبار أجمعوا على أنه لا يعاني أي مرض نفسي. ووقعت في حيص بيص بين رأي الأطباء ومعاناة ابني الشديدة التي تزداد يوما بعد يوم.. واقترح علي أحد الأصدقاء اسم طبيب أمريكي شهير في مستشفى مايوكلينيك بولاية مينا بوليس الأمريكية. وبالفعل شددت الرحال الى مستشفى مايوكلينيك، ففي سبيل وحيدي الشاب سأذهب الى أي مكان ولو كان في آخر الأرض، وقضيت شهرا في المستشفى الأمريكي التي وصلت الى نفس القرار الذي أجمع عليه الأطباء المصريون. الحالة التي يعاني منها غريبة ولكنها ليست نتيجة مرض عضوي أو نفسي، وعدت أدراجي الى لندن، واقترح على مصري طيب يعيش في لندن الذهاب الى عيادة وسلمني العنوان وذهبت اليها بالفعل. واستقبلني الطبيب الانجليزي مرحبا ثم أجلسنا بجوار جهاز كهربائي، وضع قدم أكرم على جزء من الجهاز، ووضع في يده قطعة أخرى تشبه مقبض الموتوسيكل، بينما راح الجهاز نفسه من خلال شاشة تشبه شاشة التليفزيون يدون عبارات وأرقاما أمام الطبيب الانجليزي ينقلها على ورقة في يده. وبعد أن انتهى من التدوين قال لنا شفاهة.. ممنوع أكل لبابة العيش ممنوع الاقتراب من السكر ممنوع الحلويات ممنوع تذوق أي شئ مصنوع من القمح.. وعندما شرعت في كتابة شيك للدكتور بأجره سألته: اسمك إيه يا دكتور.. وانتابتني دهشة كبيرة عندما قال لي أنا لست دكتورا، ولكنك تستطيع أن تكتب الشيك باسم مستر جون مورلي. وأردت أن أتأكد فقلت له.. طالما أنت لست طبيبا فكيف تفتح عيادة في شارع هارلي ستريت شارع الأطباء في لندن، وهذه ليست عيادة ولكنها مجرد مكتب، وهذا الجهاز الذي أمامك هو كل رأسمالي، ولعلمك هذا الجهاز اختراع ألماني واسمه فيجا، وهذا الفيجا سيكون طبيب القرن القادم، وسيجبر الأطباء جميعا على الجلوس في بيوتهم. وحررت الشيك باسم مستر جون وانصرفت. تذكرت هذه القصة بمناسبة ضبط ثاني طبيب نصاب خلال شهر واحد. الأول كان يعمل وكيلا لمستشفى العجوزة والآخر كان يدير عيادة في السيدة زينب. وكان يعالج كل الأمراض من المخ الى الجهاز الهضمي واعترف بأنه أجرى عمليات وكتب روشتات وأن الكثيرين من مرضاه تمتعوا بالشفاء على يديه! وسواء كانت اعترافاته حقائق أو مجرد أكاذيب، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة هو لماذا انتحل لقب الدكتور مع أنه لا علاقه له بالطب من قريب أو بعيد؟ السبب في رأي العبد لله أن انتحال لقب دكتور ترفع الانسان عدة درجات في سلم الحياة، حتى لو كانت الدكتوراه في الأدب أو في المسرح أو في الكورة، وكلنا نعرف الفضيحة التي انفجرت بعد زوال الاتحاد السوفييتي، فقد أقدمت السلطة الجديدة على الغاء الألوف المؤلفة من شهادات الدكتوراه التي أصدرتها السلطة القديمة، وفي أوروبا وأمريكا عشرات الجامعات والكليات الصغيرة تمنح الدكتوراه لمن يدفع الثمن. وأذكر أنني أثناء وجودي في لندن فترة المنفى الاختياري أن عرض علي أحد الأصدقاء أن أتقدم الى إحدى هذه الجامعات بكتاب الظرفاء من تأليفي للحصول على درجة الدكتوراه ولكني رفضت بشدة، وكان الرفض لسببين، السبب الأول أن اللقب لن يضيف الي شيئا ولن ينقص مني شيئا. والسبب الثاني أن الوحيد الذي لم يبذل أي جهد للحصول على هذا اللقب هو الأستاذ محمد أمين العالم، مع أنه الوحيد الذي يستحقه ويستحق ما هو أكبر منه. والأستاذ عباس محمود العقاد الذي علم أجيالاً لم يكن يحمل الدكتوراه. ولكن يبقى الخطر الحقيقي في أن ينتحل نصاب لقب دكتور ويفتح عيادة في حي شعبي ويعالج مرضاه ويجري لهم العمليات ويجب منع هذه الجريمة، خصوصا انتحال دكتوراه الطب، لأن دكتوراه الشعر أو الفن أو الكورة لن تؤذي أحدا، أما دكتوراه الطب فهي خطر حقيقي، وينبغي رفعها الى مرتبة جريمة أمن دولة وتشديد العقوبة على مرتكبها الى أقصى حد، خصوصا إذا لجأ الطبيب المزيف الى فتح عيادة في الأحياء العشوائية أو في الريف. وقد أسعدني تصريح وزير الصحة الدكتور اسماعيل سلام لجريدة الأخبار بأنه أصدر قرارا وزاريا باعادة التحقيق مع جميع الأطباء سواء بوزارة الصحة أو بالعلاج الحر، وأن العمل قد بدأ بالفعل ولكنه سيستغرق بعض الوقت، وقال الوزير إننا نسير في اطار هذا البحث لفحص كل البيانات والتحقق من جميع الشهادات، وسيتم اعادة تنظيم المهنة وتخصصاتها، بعد أن اكتشفنا أن بعض الأطباء يكتبون تخصصات غير موجودة. والعبد لله يطلب من الدكتور وزير الصحة باعتباره مسئولا عن صحة جميع المصريين أن يشمل الحصر الصيدليات والذين يديرونها، فالعبد لله يعرف صيدليات يملكها ويديرها بعض الجهلة، وهي جريمة لا تقل عن جرائم الدكاترة النصابين الذين يمارسون الطب في عيادة خاصة، وأرجو عدم السماح لأي مواطن بافتتاح عيادة خاصة سواء في المدينة أو القرية إلا بتصريح خاص من وزارة الصحة ويجب إنشاء لجنة عليا لاصدار هذه التصريحات وأن تكون هذه اللجنة ملحقة بمكتب الوزير. إنها مسئولية كبيرة ويجب حمل المسئولية بشجاعة، ومواجهة ...هذا الطراز من النصابين من عينة دكتور الحقني.. الحقني يا خويا الحقني!