إثر الحادث الذي أدى إلى وفاة الأميرة ديانا شهد العالم سباقاً محموماً بين وسائل الإعلام لتغطية تطوراته، ولعل اللافت للانتباه في ذلك كان تلك الحملات التي شنتها قنوات فضائية وصحف وإذاعات، على المصورين الصحافيين المطاردين للمشاهير، حيث نُعِت هؤلاء من قبل زملائهم بـ «صيادي الصور» وبأنهم يطلقون وابل فلاشاتهم على ضحاياهم ويطاردونهم ويكمنون لهم في مخابئ وينصبون لهم الفخاخ ويدفعونهم نحو المصائد وانهم بكلمة مختصرة طيور جائعة وغربان شؤم.. ومجموعة ذئاب جائعة تطارد فرائس بريئة.. لقد كان هؤلاء «الصيادون المصورون» يركضون وراء القنص لتغذية الحملات التي تقودها الصحف «الشعبية» الفضائحية في الغرب وكانت حركتهم محكومة بقوانين السباق التي يفرضها سوق الإعلام ولم تكن الأدوات الإعلامية التي تحولت إلى ناقدة لصيادي الصور بعد وفاة ديانا بأقل مشاركة في صناعة مأساة وأسطورة الأميرة وذلك بما نشرته عنها قبل وبعد وفاتها وبالتالي في «الجريمة» نفسها! وفي هذا المناخ المهني المحموم جاءت أحداث 11 سبتمبر ووقعت محاولات لإحلال الإنسان العربي والمسلم محل ديانا، محاولات، وإن خفت أوارها فإن آثارها تتطلب جهداً كبيراً لتزول وتهدد بعودتها في كل حين. عندما قام كلينتون سنة 1994 بالإعلان عن مشروع «أتوسترادات» الإعلام كان الرجل يسعى الى تركيز دور الولايات المتحدة كقائد للتحولات الجارية على صعيد «صناعة» الإعلامية المستقبلية حيث سيكون لها أثر بالغ على المستوى الاقتصادي وبدأ التسابق واضحاً في هذا الاتجاه وذلك من خلال قيام العديد من مؤسسات التلفزيون والهاتف والسينما والكابل والفيديو بالتمركز والتجمع الإداري والمالي وحدثت عمليات ابتلاع لمؤسسات من قبل أخرى وظهر توجه واضح لبروز شركات عملاقة تمثل عشرات مليارات الدولارات وذلك في مسار يهدف الى بناء سوق الإعلام وفق نموذج سوق الأموال وشكل حركة امتداد لها. ولم يكن لهذا التوجه ان يولد دون اثارة خوف وحذر الرأي العام من هيمنة طرف أو أطراف محددة على توجيه أو «صناعة» الرأي العام وهو خوف حذر منه كثيرون منذ عهد بعيد نذكر من بينهم الدوس هسكلي عندما حذر من التوجه الاستبدادي الحذر والذكي الذي قد يُمارس على الرأي العام العالمي من قبل أطراف معينة محدودة وذات مصالح واضحة. شبكة «الديناصورات» هي التي تلقت أحداث 11 سبتمبر وهي التي بمختلف مكوناتها وجهت أصابع الاتهام منذ اللحظات الأولى وقبل بدء التحقيق نحو العرب والمسلمين طامسة من الأخبار كل ما لا يخدم توجهها وجاعلة من كل تفصيل اشتباهي قاعدة ثبوتية في عملية معروفة في منطق أرسطو الصوري أي المصادرة بكل شيء على المطلوب والمطلوب هنا تحديد عدو. ومن أفضل من العرب والمسلمين للعب هذا الدور؟! بحيث يضعهم عدواً محدداً وخارجياً ومتهماً يلبون أكثر من رغبة لأكثر من طرف.. وهكذا وبدون حجج داغمة بدأت حيلة النهش في العرب حملة تذكر بأكثر من جانب بآلة جوبلز الدعائية النازية هذه الحملة أو الحملات شهدت مداً وجذراً ومن السذاجة والاعتقاد بأنها سوف تنتهي فالعولمة كما يراها من يريد لها أن تكون أمركة أو «تغريباً» تُلزم بوجود عدو خارجي. عدو لا وجود على الكرة الأرضية لمن تجتمع فيه مؤهلاته أكثر من العرب والمسلمين! لذلك ليس من المستغرب أن يعلن البعض ان الحملة ضد «الارهاب» ستكون طويلة ذلك انها لكي تلعب دورها التاريخي في تأجيل الحلول الحقيقية لمشاكل الانسانية يجب ان تكون طويلة فبالارهاب تصرف الانظار عن المطالب الحقيقية للانسانية وتعالج القضايا بجرعات متوازنة تقوم على استراتيجية الجزرة والعصا وفي هذا التشابك والصراع الوليد يتبوأ الإعلام مكانة رئيسية حيث أصبح جزءاً من أدوات الحرب وصناعة القرار؟! موقع الإعلام من الحرب من بين الحروب التي شهدها عالمنا حرب واحدة يمكن ان توصف بأنها حرب عالمية ونعني بذلك هذه التي بدأت في 11 سبتمبر من العام الماضي ذلك لأنها الوحيدة التي جاءت ضد العولمة هذه العولمة التي يريد النظام الرأسمالي العالمي أن يركزها بالقوة ويريد «الارهابيون» ان يغزوها بالرفض وبديهي اننا لا نقصد بهذا الولايات المتحدة ولا الاسلاميين فكلاهما لا يمثل سوى رمز لأطراف تسعى الى تجذير موقف خاص غير واضح المعالم ومن هنا جاء دور الإعلام في هذا الصراع كصلة فاعلة بين حلبة الصراع وجماهير الرأي العام العالمي حيث مع الأحداث الأخيرة بلغت مشاركة الرأي العام العالمي ذروتها وأعادت الى الذاكرة ما تمت مشاهدته بمناسبة وفاة ديانا حيث فاق عدد متابعي الأحداث من خلال التلفزيون 3 مليارات وقضى ملايين الأشخاص الليل قائماً في البرازيل والأرجنتين وغيرها في انتظار مشاهدة ساعة دفن ديانا مباشرة بل أدت المشاركة الوجدانية ببعض الباكستانيين الى الانتحار! لقد كان الحدث فرصة عالمية للكثير من المشاهدين للتعبير عن آلامهم الفردية حيث وجدوا في قضية ديانا وآلامها إمكانية لتشخيص آلامهم لأول مرة عالمياً، حيث شهد العالم قبل ذلك أحداثاً مهمة لم تثر تعاطفاً مساوياً لها فلا اغتيال الرئيس كيندي ولا محاولة اغتيال البابا كانت قادرة على شد التعاطف معها بهذا القدر الذي حصل مع ديانا. فعلى العكس مما حدث مع هذه الأخيرة لم يكن بإمكان المشاهدين العالميين إيجاد تواصل مع كيندي أو البابا غير أن العدالة تقتضي القول أيضاً إن عدم الانسجام العالمي هذا يعود في جزء منه أيضاً الى محدودية وسائل الاتصال التقنية في ذلك الحين، أما اليوم ومع أحداث 11 سبتمبر فإن كل جماهير العالم مشدودة الى الحدث وذلك لأنه جاء ليجيب عن تساؤلات ما زالت معلقة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وتتمحور حول المصير الذي يراد للعالم وللعولمة؟! لكل ذلك أصبحت وسائل الإعلام حلقة الوصل بين مختلف جماهير العالم ولهذا ولدت خطورتها ودورها وفي محاولات استخدامها من قبل هذا الطرف أو ذاك يذكر الجميع الفضيحة الإعلامية التي شهدتها رومانيا عشية انهيار حكم تشاوسيسكو لقد دفع التسابق المحموم أدوات الإعلام الغربية ورغبتها في تحقيق السبق الخبري إلى فقدان ماء الوجه وذلك عندما قدمت على شاشة التلفزيونات مشاهد عن «الجرائم» التي نفذتها اجهزة المخابرات الرومانية وقدمت صوراً مرعبة لأجسام بشرية مشوهة تبين بعد حين انها جثث موتى طبيعيين نبشت قبورهم وقدمت رفاتهم على أنها حصيلة مجازر تشاوسيسكو؟! لقد دفعت هذه الحادثة وسائل الإعلام الى الحذر ولكنها لم تقلل من دورها في صناعة الرأي العام وتأليب أطراف على الأخرى ونظراً لهذه الخطوة لم تتردد طائرات الحلف الأطلسي عن قصف مقر التلفزيون اليوغسلافي وهي تعلم ان 40% من العاملين فيه معادين لميلوسيفيتش.. كما لم تتردد الطائرات الأمريكية عن قصف مقر «الجزيرة» في كابول. الصحافة المكتوبة في دورها الجديد في يناير 1998 قامت درودج بنشر محتوى المكالمات الهاتفية لمونيكا والمتعلقة بعلاقاتها مع كلينتون وذلك على شاشة الانترنت منتقدة بشدة الصحافة لامتناعها عن نشر بعض الأخبار التي تبقى في حوزة بعض الصحافيين وكانت «نيوزويك» تمتلك نفس النص، وعندما أدركت ان هذا الصحفي تجاوزها أسرعت مع مثيلاتها من الصحف المكتوبة في سعي محموم بحثاً عن السبق الخبري بأي ثمن وذلك في محاولة للتغلب على هذا المزاحم الجديد المتمثل في الانترنت والذي ظهر في فترة كان انتشار الصحف المكتوبة فيها يشهد تقلصاً متصاعداً وفي غمرة هذا السباق برزت على الساحة ثلاثة اطراف إعلامية متصارعة ومتسابقة لكل منه وسائله وتاريخه وأمجاده حيث مثلت قضية مونيكا بداية عصر الانترنت الإعلامي ومثل اغتيال كيندي بداية عهد التلفزيون كما مثلت قضية ووتر جيت قمة مجد الصحافة المكتوبة وإذا كان لكل طرف وسائله فإن الصحافة المكتوبة لم تعدم وسائلها فأمام حمى التسابق لجأت إلى أسرار الحياة الخاصة للمشاهير وإلى نشر الوثائق والتقارير المريبة والمتعلقة بهذا الطرف أو ذاك غير أن كافة هذه الأطراف تتفق في أن الحرب والعنف هما المصدر الأساسي لإثارة انتباه الجماهير وهكذا انطلقت جميعها في تغطية حرب الارهاب منذ 11 سبتمبر تغطية امتاز فيها التلفزيون بنصيب الأسد لاعتماده الصور والسرعة وان لم تعدم الصحافة المكتوبة من دور مهم لا يمكن ان يقارن بدور التلفزيون طبعاً. الصحافة العربية ومدى تأثيرها على الرأي العام إذا كان دور الصحافة الغربية المكتوبة أصبح محدوداً في بلادها فإن الدور المتاح لصحافة أجنبية عربية كانت أم غيرها لن يكون إلا أكثر محدودية ويعود ذلك الى عدة أسباب أولها اللغة ومحيط عمل الصحافة العربية المقيدة برقابة ذاتية تتجاوز بمراحل ما تبرر به هي نفسها انعدام المبادرة لديها هذه الرقابة الصامتة التي يعيشها الصحافيون العرب تفرضها طبيعة الانظمة والمجتمعات العربية وهي رقابة تطال الصحف العربية الصادرة في العواصم الغربية وحتى تلك الصادرة في بعض المناخات الديمقراطية العربية كلبنان والخليج... الخ. ولقد مثلت الأحداث الأخيرة فرصة نادرة للصحافة العربية كي تتبوأ موقعاً متقدماً حيث كانت وما زالت تجتذب كل الأنظار علها تأتي بما يمثل بداية لعمل إعلامي مجدد غير أن تغطياتها للأحداث جعلتها لا تشد اهتمام الرأي العام حيث اكتفت بالنقل عن صحف الغرب ولم تقدم سوى ما يناسب الرقيب الذاتي والموضوعي ولتخرج من هذا الواقع عليها ان تعمد الى أمرين أساسيين: 1ـ تجاوز هذا الخوف القاتل من الرقيب الصامت والمغامرة من أجل الحقيقة. 2ـ الاستفادة من امكانيات الشراكة أو المشاركة مع وسائل الإعلام الغربية مشاركة على صعيد الندية تتيح لها فرض مرجعيتها وإبلاغ صوتها للرأي العام العالمي ويتمثل ذلك في القيام بعمليات «جوان ناتور» مع صحف وتلفزيونات ودور نشر غربية نذكر منها التجربة الأخيرة الناجحة التي قامت بها جريدة «لوماتان» المغربية مع جريدة «لوموند» الفرنسية والمتعلقة بذيول قضية بن بركة. بهذا الأسلوب وحده تستطيع الصحافة العربية ان تلعب دوراً في صناعة الرأي العام الغربي خاصة وأن الأبواب مفتوحة الآن لهذا التوجه ولا ينقص الصحافة العربية للقيام بذلك إلا المبادرة حيث عليها ان تخرج من حال التمترس الذي سجنت نفسها فيه منذ عهد بعيد. فلا إصدار صحف بلغات أجنبية ولا إصدار صحف بالعربية في الغرب ولا القيام ببث برامج إذاعية وتلفزية بلغات أجنبية بمجدية! إن الأمر المجدي الوحيد هو الدخول في صميم وسائل الإعلام الغربية وذلك بمساومات مالية وفكرية وإعلامية ومساهمات تقوم على تحقيق حد أدنى يتمثل في تلميع صورة العربي المسلم أو حتى في منع الاساءة له ويقوم على طول النفس والاستمرارية ويشمل جميع أوجه النشاط الفكري والإعلامي ـ صحف، شبكات تلفزة، إذاعات ودور نشر... الخ. بهذا تستطيع صحافتنا ان تلعب دوراً أساسياً في تعريفنا بأنفسنا وتعريف الآخرين بنا. لقد كانت التجربة التي عاشتها قناة «الجزيرة» مؤخراً غنية وواعدة حيث أكدت لأول مرة ان الواقع العربي وفي طليعته الخليجي يستطيع ان يولد تجربة إعلامية ذات مستوى عالمي وإذا كانت «الجزيرة» بلا منازع قد استطاعت ان تصل الى هذا المستوى فإن ذلك يعود إلى اتجاه المناخ الديمقراطي الوليد في الخليج اتجاهاً صحيحاً وتقتضي العدالة أن يقال ان «الجزيرة» ليست وحدها في هذا المجال حيث يشهد الخليج اليوم ميلاد صحف ومجلات وإذاعات وتلفزيونات نذكر منها قناة «أبوظبي» لا تقل مهنية عن «الجزيرة» ولكي تنمو هذه التجربة لابد لها من الدخول في علاقات تشارك تفتح لها النوافذ الموصدة في الغرب ولن يتم ذلك إلا بمبادرات يقوم بها القائمون على وسائل الإعلام والصحف العربية عامة والخليجية خاصة حيث أن الأبواب المفتوحة اليوم لن تستمر على ما هي عليه إن لم يبادر العرب في زيادة انفتاحها. لقد أدت تغطية «الجزيرة» وانفرادها بذلك الى منحها شهرة عالمية تغبط عليها فهل لغيرها من صحفنا ان يبادر لمؤازرتها ذلك هو السؤال الذي يبحث عن جواب. لقد مثلت صورة الطفل الفلسطيني محمد الدرة عند اغتياله أبلغ رسالة وجهها العرب إلى الرأي العام العالمي وهي رسالة واجهتها الأطراف المعادية بعمليات طمس لمنع انقلاب الرأي العام عليها، فمثلاً كانت الاتهامات ضد «الجزيرة» محاولات لفرض الرأي الواحد وتبين من خلال كل ذلك ان حرباً جديدة مفروضة على العرب حيث ان المعركة الراهنة معركة إعلامية على العرب وعلى صحفهم ان يخوضوها خارجياً وداخلياً والصحافة العربية أصبحت ملزمة تاريخياً بأن تنفتح على نفسها وعلى العالم فالأمر أصبح يلزم بالوصول إلى الآخرين ولا يوجد أفضل من الدخول إلى الغرب من خلال وسائل إعلامه نفسها.. أفلم يفعل الصهيانة ذلك وسوق الإعلام الغربية مفتوحة.. حتى لمن كان منا لا يفكر في سوى الربح المالي فهو الآخر سيجد ضالته فهل من تحرك.؟! ـ إعلامي عربي مقيم في باريس