موضوع رفع الحصانة عن النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي عزمي بشارة وإحالته على المحاكمة بسبب مواقفه السياسية المعلنة، يسلط الضوء على عدد من القضايا المهمة المتصلة بالوضع الإسرائيلي الداخلي، خصوصاً ما يقال عن ديمقراطية إسرائيل وتعدديتها وتماسك المجتمع فيها، وهو ما يتناقض تماماً مع الممارسات الإسرائيلية الرسمية ومع الحقائق القائمة على ارض الواقع. من الواضح ان الاتهامات الموجهة إلى النائب بشارة مبنية على خلفية سياسية، وهدفها سياسي اولاً واخيراً. فما تريده إسرائيل هو تعطيل الدور الذي يقوم به حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» الذي يرأسه عزمي بشارة في الدفاع عن حقوق الاقلية العربية في إسرائيل التي تشكل 20 في المئة من سكان الدولة العبرية، ومحاولة تعزيز ارتباط هذه الاقلية بالمصالح الاساسية للشعب الفلسطيني ـ وهي جزء لا يتجزأ منه ـ وبمحيطها العربي الاوسع. وفيما يتعلق بالتكييف القانوني المفتعل، فإن ثمة تهمتين رئيسيتين موجهتين إلى النائب بشارة، وقد استند اليهما الكنيست الإسرائيلي لرفع الحصانة عنه، وهما: التهمة الاولى، تأييد العنف (والمقصود بذلك المقاومة العربية ضد الاحتلال الإسرائيلي) في خطابين القاهما بشارة، الاول في بلدة ام الفحم الفلسطينية (يونيو عام 2000)، والثاني في سوريا في الذكرى السنوية الاولى لرحيل الرئيس السوري حافظ الاسد. والتهمة الثانية، قيام المكتب البرلماني للنائب بشارة بتنظيم زيارات لعائلات من عرب الداخل إلى اقاربهم في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، خلافاً للقانون الإسرائيلي الذي يعتبر سوريا دولة معادية. وادعى المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية الياكيم روبنشتاين، ان بشارة «في اقواله وسلوكه السياسي، خرج عن نطاق الحصانة البرلمانية للنواب حيث اعلن في تصريحاته في بلدة ام الفحم تضامنه مع حزب الله وهو منظمة ارهابية، وعملياً فهو دعم الارهاب». وعلى الرغم من ادراك النائب بشارة حقيقة ان الاتهامات الموجهة اليه سياسية، لكنه اعطى الجانب القانوني في القضية الاهتمام اللازم لحرمان السلطات الإسرائيلية من استخدام هذا السلاح ضده، وهي المعروفة بسن التشريعات في صورة اعتباطية ولاهداف سياسية محددة، ونذكر في هذا المجال ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ التشريع المتعلق باباحة تعذيب السجناء العرب لانتزاع الاعترافات منهم ـ وهو اغرب تشريع في العالم المتمدن ـ، كذلك الحال بالنسبة للتشريع الجديد الذي تم اعداده وهو يقضي باجازة الاعتقالات واستمرار توقيف المعتقلين لمدد طويلة من دون تقديم المتهمين للمحاكمة او اصدار احكام عليهم. وقد اعد مشروع القانون هذا خصيصاً لتمكين اجهزة الامن من مواصلة اعتقال اللبنانيين الشيخ عبد الكريم عبيد ومصطفى الديراني اللذين اختطفتهما إسرائيل من منزليهما قبل عدة سنوات ولم تقدمهما للمحاكمة حتى الان. ومع ذلك فإن بشارة يخوض معركته على اكثر من صعيد، مركزاً على الصعيد الدولي، والاوروبي تحديداً، عبر المنظمات الحكومية المهتمة بحقوق الانسان وبتحقيق المساواة بين البشر، وهو يجد في هذه القضية فرصة لكي يثبت للرأي العام الغربي ان الديمقراطية الاسرائيلية هي في الواقع ديمقراطية مزيفة لانها تقوم على قاعدة عنصرية تبيح التمييز في المعاملة بين مواطن واخر.وكما يقول عزمي بشارة فانه «خلافاً للتصور السائد عن إسرائيل في الغرب، بأنها دولة ديمقراطية تدافع عن نفسها، فهي دولة قومية تدافع عن نفسها ضد الافكار الديمقراطية. ويضيف موضحا (ردا على سؤال خلال مؤتمر صحفي عقده أخيرا في باريس) ان إسرائيل ديمقراطية بالنسبة لليهود لكنها ليست كذلك بالنسبة للعرب». وقال ان «الاجراءات المتخذة ضده تظهر استحالة التوفيق بين الديمقراطية والسلطة الكولونيالية التي تعتمد أساليب مشابهة لنظام الفصل العنصري (ابارتيد) والمبنية على أساس مجموعتين مختلفتين من السكان». وفيما يتعلق بمضمون الاتهامات الموجهة اليه، يقول بشارة انه لن يتراجع عن تصريحاته الداعمة للمقاومة المشروعة للاحتلال، وانه يميز بين المقاومة المشروعة والارهاب. ويستشهد في هذا المجال بنصوص من مواثيق دولية تؤكد حق الشعوب في تقرير مصيرها واستخدام كل الوسائل ضد الاحتلال في مواجهة القمع والاضطهاد. ويذكر ان برنامج حزبه ينص في شكل واضح على رفض الاحتلال وشرعية مقاومته. إن أهمية قضية النائب عزمي بشارة تكمن في ارتباطها بمشاكل أساسية عدة يعاني منها الكيان الإسرائيلي، ابرزها المشكلة الديموغرافية المطروحة دائما للنقاش على مستويات متعددة. والحال، فإن وجود الاقلية العربية، المتنامية، داخل الدولة العربية، يثير لدى المسئولين الإسرائيليين مخاوف من ان تفقد إسرائيل، مع الوقت، هويتها اليهودية وتصبح بالضرورة دولة ذات نظام تعددي، واذا ما حدث ذلك يكون المشروع الصهيوني برمته قد انهار، ولهذا فإن إسرائيل تضحي بالديمقراطية التي تتميز بها أمام الغرب، من أجل فرض مزيد من القيود على الاقلية العربية ووضع سقف سياسي لها يحول دون تحولها إلى خطر حقيقي يهدد هذا الكيان المفتعل. ووفقا لما أشارت اليه تقارير عدة، فقد عقد مطلع العام الجاري مؤتمر سري في احدى المستوطنات القريبة من القدس (دعوة من المجلس الصهيوني) نوقشت فيه سبل ابطال مفعول ما اصطلح على تسميته بـ «القنبلة الديموغرافية الموقوتة». وكان مؤتمر مماثل عقد قبل نحو سنة في مدينة هرتسليا القريبة من تل ابيب للغاية ذاتها. وتوقع بحث جامعي صادر عن الجامعة العبرية في القدس (نشر أخيرا) ان تنخفض نسبة اليهود في «فلسطين التاريخية» في العام 2020 دون 50% من مجمل سكانها (حيث يشكلون الآن 53%). وهذه النسبة ـ تقول الدراسة ـ لن تتعدى 35% عام 2050. وتبلغ نسبة اليهود من سكان إسرائيل اليوم (داخل الخط الاخضر 78%، وستنخفض إلى 76 ـ 73% عام 2020، ثم إلى 69 ـ 65% عام 2050. في حين يبلغ عدد اليهود اليوم (في العالم كله) 13.2 مليون نسمة، ويتوقع ان يرتفع هذا الرقم إلى 15.6 مليونا في العام 2080. ويعزو معدو الدراسة هذا الارتفاع الضئيل إلى ذوبان اليهود في المجتمعات الغربية والى نسبة الولادات المتدنية بينهم. إن فشل مشروع اقامة دولة «إسرائيل الكبرى» (من النيل إلى الفرات) التي تستوعب كل يهود العالم، كما خطط لها الصهاينة والمؤسسون، يدفع إسرائيل إلى البحث عن حلول اخرى أقل شمولية. ومن ذلك، على سبيل المثال، محاولة الاحتفاظ بأوسع مساحة ممكنة من الضفة الغربية المحتلة لاسكان مزيد من المستوطنين الذي يجري استقدامهم من الخارج، وهو ما نفذته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وما تنفذه حكومة شارون حالياً. وإلى جانب ذلك تقيم إسرائيل سداً «منيعاً» أمام عودة اللاجئين الفلسطينيين المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، وهي تضع شرطاً رئيسياً يقضي بالتنازل عن هذا الحق الفلسطيني في أي تسوية سلمية يتم التوصل إليها. ومع ان أصواتاً فلسطينية بدأت ترتفع في شأن «تفهم» المخاوف الإسرائيلية الناشئة عن المعضلة الديمغرافية، إلا أن الرغبة الإسرائيلية في استغلال هذه القضية بفرض مزيد من الشروط على الجانب الفلسطيني. بهدف تحقيق هيمنة كاملة (الآن وفي المستقبل) تجعل من الصعوبة بمكان التوصل إلى أي تفاهم في شأنها.على ان تواصل الانتفاضة الفلسطينية، بما تشكله من ضغوط متزايدة على الاقتصاد والمجتمع الإسرائيليين، يفاقم هذه المشكلة ويفسد المشاريع الإسرائيلية المعاكسة. فالاقتصاد الإسرائيلي يتراجع، والبطالة تتفشى، والشعور بفقدان الأمن يبلغ مستوى خطيراً، وأعداد الضباط والجنود الاحتياط، رافضي الخدمة العسكرية في المناطق الفلسطينية المحتلة، ترتفع باضطراد. وقد تكون التحركات التي باشرتها «حركات السلام» الإسرائيلية، واتخذت شكل تظاهرات اجتماعية ضد سياسات شارون القمعية ضد الفلسطينيين والدعوة إلى الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة، محاولة لتغيير صورة المشهد الإسرائيلي، وذلك بتجديد احتمالات تحقيق تسوية سلمية تضع حداً لمعاناة الشعب الفلسطيني من جهة، وتفتح طريقاً أمام إسرائيل للخروج من مأزقها الراهن، من جهة أخرى. لكن سياسة شارون التدميرية، المدعومة من الادارة الأمريكية، تسد الطريق أمام مثل هذه المحاولات، في الوقت الذي يؤكد المحللون ان إخراج إسرائيل من مأزقها الحالي لا يمكن أن يتحقق إلا إذا حدث تغيير جذري في العقلية الإسرائيلية بحيث يتخلى المتطرفون في الدولة العبرية عن أحلامهم التوسعية ويسلمون بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس