قبل حلول عهد الرعب العالمي الأمريكي ابتداء من سبتمبر الماضي كانت سنغافورة مضرب مثل نموذجي في التعايش بين الأعراق والأديان المختلفة، ولكن ما ان دخلت واشنطن على الخط لحث السلطة السنغافورية بوسائل الضغط والترهيب تحت اسم المشاركة في مكافحة الارهاب حتى برزت بوادر فتنة داخل المجتمع السنغافوري المركب من ثلاثة اعراق وأكثر من ثلاثة أديان تنذر ببداية النهاية لعهد التعايش السلمي الداخلي. يتكون المجتمع السنغافوري من أغلبية صينية وأقليتين ملاوية وهندية وهذه الأعراق موزعة على ثلاث ديانات رئيسية هي البوذية والإسلام والهندوسية والحزب الحاكم، وهو «حزب العمل الشعبي» الذي يمثل الأغلبية الصينية، هو الذي ظل يسيطر على جهاز السلطة بصورة شبه احتكارية، ورغم المشاركة الضئيلة للأقليتين الملاوية والهندية في الحكم إلا ان سنغافورة لم تعرف لمدى العقود الأخيرة فتنة سياسية سواء على الصعيد العرقي أو الصعيد الديني.. إلى ان حلّ العهد الأمريكي الراهن لمكافحة الارهاب. تحت التحريض الامريكي اتخذت السلطة السنغافورية اجراءين خطيرين كلاهما موجه ضد الأقلية المسلمة تحديداً: اعتقال 13 مواطناً مالاويّا مسلماً على أساس «اشتباه» بأنهم يدبرون لحملة تفجيرات ضد منشآت أمريكية. ومنع طالبتين مسلمتين للمرة الأولى من دخول المدرسة بسبب ارتداء الحجاب. ومنذ الوهلة الأولى كان واضحاً ان كلا الاجراءين نابع عن تحامل ضد الأقلية المسلمة، فالقضية ضد الأشخاص المشتبه بهم ملفقة كما يبدو والدليل على ذلك ان السلطات الأمنية إذ تصر على استمرار احتجازهم لأجل غير مسمى فإنها تعزف عن تقديمهم إلى محاكمة لأنها بطبيعة الحال لا تملك أدلة تسند ادعاءها، وقد استنت السلطة قانوناً يسمح باحتجاز المشتبه بهم لمدة تصل إلى سنتين دون توجيه اتهام محدد أو تقديمهم إلى القضاء. وهكذا يبدو ان الغرض من عملية الاعتقال وما رافقها من تهويد اعلامي ترددت اصداؤه عالمياً هو تشويه صورة الأقلية المسلمة في سنغافورة استكمالاً للحملة الأمريكية العالمية ضد الاسلام والمسلمين تحت اسم الارهاب. أما حظر دخول الطالبتين المسلمتين إلى مدرستهما فإنه يستند إلى حجة فاضحة تنضح أيضاً بتحامل ضد الأقلية المسلمة خصيصاً، فالحكومة تقول في تبرير اجرائها ان المدارس لو سمحت بتعديلات في الزي الطلابي على أساس الاعتبارات الدينية فإن أهل كل عقيدة دينية داخل البلاد سوف يكون لهم طلب مختلف. لكن الحكومة السنغافورية إذ حظرت غطاء الرأس كرمز ديني عند المسلمين فإنها لم تحظر عمامة طائفة السيخ، وهي أيضاً رمز ديني محترم، فلماذا التفرقة، ولماذا لم تحظر الحكومة أيضاً ارتداء الصليب على الصدر للمسيحيين والمسيحيات ما لم يكن قرار حظر ارتداء الحجاب نابعاً عن قرار سياسي خفي مصدره واشنطن؟ وهكذا فإن عصر الرعب الأمريكي لم يفلح إلا في تصدير فتنة داخلية أمريكية إلى بلدان العالم، من أول وهلة منذ وقوع أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة استهدف المسلمون بالشر في كافة أنحاء الأراضي الأمريكية حيث شرع رجال الأجهزة الأمنية في حملات اعتقالات متصلة لم تتوقف حتى اليوم على أساس شعار «المسلم مدان حتى لو أثبت العكس». ومن ثم انتقلت العدوى إلى خارج الحدود الأمريكية ففي أفغانستان أسفر زوال عهد طالبان عن اقتتالات أمراء الحرب، وفي باكستان ادى احتداد المواجهة بين السلطة والمنظمات الاسلامية إلى قطيعة سياسية قابلة للتفجر في أي لحظة. وفي الفلبين اتسع نقاط الانشقاق بين الحكومة والمعارضة تجاه دخول القوات الخاصة الأمريكية «للمساعدة في مكافحة الارهاب» ليطال صفوف الحزب الحاكم نفسه. وهذه هي حصيلة منجزات عهد الارعاب الأمريكي.