يبقى أول مذياع عرفته في ذاكرتي. بين أقدم الصور التي تعود الى عام ثمانية وأربعين وتسعمئة وألف من القرن الماضي، أي تمت كلها الى حقبة حرب فلسطين. كان لي من العمر ثلاث سنوات وقتئذ، وكانت القاهرة تتعرض أحيانا لغارات الطيران الاسرائيلي الذي كان ناشئا ما زال، وكانت العاصمة قد عرفت غارات الطيران العنيفة التي شنتها قوات المحور خلال الحرب العالمية الثانية، غير أن هذه الغارات لم تترك أي أثر في ذاكرتي لسبب بسيط، أن ذاكرتي لم تكن قد بدأت التدوين بعد، إذ خرجت الى العالم يوم التاسع من مايو عام خمسة وأربعين وتسعمئة وألف، أي اليوم التالي لاستسلام المانيا وانتهاء الحرب في أوروبا. ما بين يوم مولدي أي انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأحداث حرب عام ثمانية وأربعين لا أذكر شيئا على الاطلاق، كأن هذه الأعوام الثلاثة منطقة معتمة خلت من الأحداث والذكريات، كأنه فيلم خفي احترق القسم الأول منه ولم يتبق منه أي لقطة. غير أنني أرى بوضوح تلك اللحظات التي بقيت معي، والتي أعتبرها الأقدم، المذياع يحتل ركنا منها. كذلك الـ «بي بي سي»، أي محطة الاذاعة البريطانية. كنا نسكن الطابق الخامس من بناية تعد مرتفعة نسبيا بمقاييس الوقت في حارة الطبلاوي، المتفرعة من شارع قصر الشوق، لذلك ترتبط سماء القاهرة بذاكرتي في جميع أويقاتها، نهارا وليلا، خاصة زمن الحرب، في البدء تنطلق صفارات الانذار التي أصغيت اليها عبر الأربعين عاما التالية لذلك الوقت مرارا، صفارات تثير الرهبة والتوقع، المتقطعة تعني اقتراب الخطر، وضرورة بدء التزام الحذر، من إطفاء الأضواء، ونزول سكان الطوابق العليا الى المخابئ، وتوقف حركة السيارات التي كانت قليلة وقتئذ، مع طلاء النوافذ باللون الأزرق، إذ كان يقال إن الطيار المعادي لا يمكنه رؤية الأضواء التي يسري فيها اللون الأزرق، بعد انتهاء الغارة تنطلق الصفارات بدون تقطع، يعني ذلك الأمان، وإضاءة النور، وعودة الحياة الى طبيعتها. بدء لحظات الخطر يبقى في الذاكرة أكثر. عند انطلاق الصفارة المتقطعة. يطلب الوالد منا أن نرتدي ملابسنا. وأن نستعد للنزول الى الطابق الأول حيث يستضيف الحاج أحمد عمر التاجر، ابن طهطا القريبة من جهينة بلدتنا ومسقط رأسي، نخرج الى السطح الممتد المؤدي الى الدرج النازل. سماء القاهرة مظلمة، النجوم غزيرة جدا، قريبة من الأرض. كانت سماء ذلك الوقت أكثر شفافية لعدم ظهور التلوث الناتج عن ملايين العربات التي تعبر شوارع المدينة الآن، والأفق المفتوح الذي لم تكن تحده ناطحات السحاب بعد. كانت رؤية الأهرام واضحة جلية ممكنة من الجمالية، في جميع أوقات النهار، خاصة عند الغروب. كان وما زال مشهد غروب الشمس خاصة في الشتاء من أجمل المشاهد التي تجد لها موقعا متميزا في ذاكرتي، في ليالي الغارات تلك كانت أذرع طويلة من الضوء تجوب السماء، وكنا نسميها عامود النور، لم تكن الحرب الجوية قد تطورت بعد وأصبحت كتلك التي قدر لي أن أراها فيما بعد على جبهة القناة خلال حربي الاستنزاف وأكتوبر، حيث تلعب الأجهزة الالكترونية المتطورة الدور الرئيسي، وتصبح الطائرات الحديثة بكل ما تحمله من آلات دمار، وبشر يقودونها مجرد نقط ضوء صغيرة على شاشات الرادار، سواء على رادار الطائرة في مقصورة الطيار أو داخل غرفة عمليات الصواريخ المضادة فوق الأرض، المقاتلون لا يرون بعضهم، ولا يلتقون وجها لوجه، كل منهم عبارة عن رموز فوق شاشة صغيرة بالنسبة للآخر، والحرب تدور من أجل اختفاء تلك النقطة البيضاء، من فوق الشاشة، ذلك يعني إفناء إنسان أو أكثر! في عام ثمانية وأربعين كانت الوسائل أكثر بدائية، فالطائرات أبطأ، وارتفاعاتها أكثر انخفاضا، كذلك كانت وسائل الدفاع الجوي، بطاريات المدفعية بجوارها المصابيح الكاشفة، يطلق كل منها حزمة من الضوء صوب سماء المدينة، ويتحرك المصباح الكاشف بحثا عن الهدف في السماء المظلمة، حتى اذا أدركه، وظهرت الطائرة مثل ذبابة صغيرة خلال الأشعة القوية، تقترب بسرعة أضواء المصابيح الأخرى لتحكم الحصار حول الهدف، تنطلق عندئذ المدفعية المضادة التي تدفع الطيار الى منطقة بعيدة عن المناطق المأهولة، عندئذ يمكن تسديد الطلقة القاتلة، بالطبع عرفت هذا كله فيما بعد، خاصة عندما قدر لي أن أعمل مراسلا حربيا، ولكن تلك الغارات الليلية المرتبطة بالصور الأولى في الذاكرة، كانت تمتزج عندي بالأسطورة، فأعمدة الضوء التي تصل الأرض بالسماء كالمردة العمالقة الذين أسمع عنهم في حكايات جدتي وأمي، لم أكن أشعر بالخوف، يكفي الاحساس بالقرب من الوالد والوالدة، في وجودي قربهما الأمان كله. نفارق السطح، ننزل السلم بحذر في الظلام، نصل الى الطابق الأول، الذي كنا نطلق عليه السلاملك، إنه نفس المصطلح الذي نجده في البيوت المملوكية والعثمانية القديمة التي منها بيت السحيمي القائم حتى الآن، وبيت السناري، وبيت جمال الدين الذهبي وقصر المسافر خانة التي قدر لنا أن نشهد دمارها بالحريق منذ ثلاثة أعوام للأسف، السلاملك أي الطابق الأرضي الذي يمكن للرجال أن يجتمعوا فيه بصاحب البيت، وحيث يدخل الباعة لاحضار البضائع، أما الطابق الثاني فيطلق عليه «الحرملك» أي المكان المحرم على الغرباء، فهنا يعيش الحريم، مع اختفاء البيوت التي كان يسكن كل منها عائلة بمفردها، وحلول المباني المكونة من عدة طوابق، في كل طابق أسرة أو أكثر، لم يتغير اسم الطابق الأرضي، ظل السلاملك، في البيت رقم واحد، حارة الطبلاوي، كان يسكن الحاج أحمد عمر، واليه كان يأوي سكان البيت كله، الباب مفتوح، نعبر العتبة بحذر، ثمة شعاع منبعث من مصباح يضاء بالغاز، مطلي باللون الأزرق، تمضي أمي الى الحجرة الداخلية حيث النساء، تحمل الى صدرها شقيقي اسماعيل الذي أذكره طفلا رضيعا، كان ممتلئا، أبيض البشرة، وكانت أمي تلفه في ثياب قاتمة دائما لتحميه من الحسد، من العين الشريرة، أما أنا فلا أفارق يد أبي، أمضي معه الى حيث الرجال في غرفة الجلوس، أو كما يسميها البعض غرفة الضيوف، أو «الصالون» رجال البيت وأولادهم يجلسون الى المقاعد، وكنبة مستطيلة، البعض يجلس الى الأرض، النافذة مغلقة، المصراعان المصنوعان من الخشب «الشيشي» والزجاجات الداخليان، ثمة ورق أزرق شفاف ملصق على الزجاج، في منتصف الحجرة فوق المنضدة، مذياع كبير الحجم، صندوق من الخشب بني اللون، نصف واجهته الأمامية من زجاج، كتب عليه أسماء المحطات بالعربية فوق عدة سطور، كذلك أطوال الموجات المتوسطة والقصيرة، أذكر مفاتيح هذا المذياع جيدا، ولوحة الموجات، وهيئته، إذ كان أول مذياع آراه في حياتي، والبدايات دائما لا تنسى، لم يكن لكل أسرة مذياع في ذلك الوقت، في البيت الذي نسكنه والمكون من خمسة طوابق، كان يوجد جهازان لدى اسرتين، الأول عند الحاج أحمد عمر، والثاني عند جارتنا التي تقيم تحتنا مباشرة، وكانت سيدة قوية البأس، دائمة الشجار، تحرص أمي على تجنبها، ولم يكن لدينا جهاز مذياع، فلم تكن امكانيات الوالد تسمح باقتنائه في ذلك الوقت، كان ذلك الجهاز صندوقا سحريا بالنسبة لي، وكانت اللوحة الامامية تضاء بمصباح جد صغير، يرسل ضوءا خافتا لإنارة أسماء المحطات ولرؤية المؤشر أثناء تحركه، وبرغم وهن الضوء كان يبدو قويا داخل الحجرة لأن الفراغ كله معتم، الآن بعد انقضاء أربعة وخمسين سنة أرى ملامح الوجوه كأنها أمامي، الحاج أحمد عمر مضيفنا بملابسه البلدية وطربوشه الأحمر الذي لم يكن يتخلى عنه حتى داخل بيته، وحسن أفندي بقامته النحيلة، ونظارته الطبية، كان ذا قامة نموذجية للموظف المصري، وفيما بعد كنت أتذكره كلما تطلعت الى الفنان شفيق نور الدين فوق خشبة المسرح، وكان بصحبته ولداه، صلاح الذي يقربني عمرا، وسامي الأصغر، غير أنني كنت أنظر اليهما خفية ولا أقترب منهما، كنت أميل الى الانطواء، أرغب في تفحص الآخرين خفية، الى جواره الباشجاويش أحمد الهجرسي، كان ذا قامة ضخمة وشارب كثيف، إنه رجل شرطة، أراه الآن في ردائه الرسمي، حول خصره حزام جلدي عريض تتدلى منه عصا قصيرة، كانت كل ما يتزود به رجل البوليس من سلاح في ذلك الوقت، لكن مجرد ارتدائه الحلة الرسمية (الميري) وظهوره في الطريق يثير الرهبة ويفرض النظام، كان للباشجاويش أحمد الهجرسي وضع خاص، فله ابنان يحاربان الآن في فلسطين، شعراوي وشقيقه شافعي، كلاهما تطوعا لمحاربة العصابات الصهيونية، ولو أن ابنه الأكبر حرا لكان معهما الآن، لكنه في المعتقل بسبب نشاطه في جماعة الاخوان المسلمين، وقد قدر لي أن أعيش معه في معتقل واحد بعد ذلك بعشرين عاما، في عام ستة وستين عندما اعتقلت لأسباب سياسية، في إحدى الليالي تحدث الباشجاويش الهجرسي عن مصفحات حديثة وصلت الى اليهود، كل منها يشبه التمساح، وقال إن المذيع «الأخنف» في محطة لندن الـ «بي.بي.سي» ذكر أن بعض الشبان العرب يلغمون أجسادهم ويفجرون أنفسهم ضد تلك المصفحات، كنت أصغي مبهورا الى ما يرويه الحاضرون حول الحرب وأحداثها، وعند لحظة معينة يتقدم الحاج أحمد عمر من المذياع، يدير المؤشر. «أخبار لندن بقى عليها دقيقة...». وعندما يبدأ المذيع الذي كان يطلق عليه والدي «الأخنف» تحية المستمعين وقراءة موجز النشرة، أتخيل رجلا صغيرا يجلس داخل هذا الصندوق ويتلو على الجالسين بنظام وترتيب أخبار الدنيا وأهمها طبعا أخبار الحرب الدائرة في فلسطين والتي كنا بشكل ما طرف فيها، في الأعالي ثمة هلاك محوم لا نعرف مكانه، وفي الأرض رجال يحاولون إبطال مفعوله، وعندما تنتهي النشرة، يعود الحاضرون الى تبادل الحديث، حتى تنطلق صفارة الأمان المتصلة، يضاء النور، وننصرف على مهل، وبصري عالق بالصندوق السحري، المذياع.