هل بدأت ارهاصات غليان داخلي في اسرائيل يمكن ان يؤدي في نهاية المطاف وعلى خلفية التصعيد النوعي المتنامي للثورة الفلسطينية المسلحة الى بداية النهاية للاحتلال؟ مع تدفق الجماهير الاسرائيلية المؤيدة لمنظمات معسكر السلام الاسرائيلي الى الشارع مطالبة بانهاء احتلال الاراضي الفلسطينية، وبالتالي بداية تفتت الاجماع «الوطني» الذي ترتكز عليه حكومة شارون الائتلافية، فان ملامح المشهد المتحرك تستدعي مشهد الفوران الجماهيري في فرنسا الخمسينيات والستينيات عندما بلغت الثورة الجزائرية المسلحة نقطة اللاعودة الى ان حققت التحرر الكامل من الاحتلال الاستيطاني الفرنسي. في كتابه المرجعي بعنوان «الشئون السياسية العالمية منذ عام 1945» يحكي المؤرخ الايطالي العالمي بيتر كالفوكوريس عن احوال مسار المقاومة الجزائرية عند بلوغها منتصف الطريق فيقول: «صار موقف الطرفين، باريس من ناحية وجبهة التحرير الجزائرية من ناحية اخرى، غير قابل للتصالح. فكل من الجيش الفرنسي وجبهة التحرير احرز لنفسه موقفا قويا بحيث لم يكن بوسع أحدهما أن يهزم الآخر. وازدادت النشاطات الارهابية على الجانبين، بل وانتشرت حتى شملت باريس ومدنا اخرى في فرنسا، وصار التعذيب أداة معتمدة لدى الحكومة الفرنسية، ووصلت المساعي السياسية الى طريق مسدود. وهكذا اكتمل التأزم سياسيا وعسكريا». كان هذا هو الوضع الذي أدى الى تفجير الشارع الفرنسي وتصاعد الغليان الشعبي وحلول الفوضى الشاملة في فرنسا مما أبرز الحاجة الى قيادة فرنسية من طراز جديد تعترف بالثورة الجزائرية وبمبدأ الاستقلال الوطني للجزائر. فمع تسارع ايقاع الثورة المسلحة الجزائرية وامتداد ضرباتها الموجعة الى داخل فرنسا ساد شعور عارم بين قطاعات الشعب الفرنسي ضد حالة الحرب لطولها وعقمها. وتدريجيا أخذت اصوات الاحتجاج ترتفع من شخصيات فرنسية محترمة بينها أكاديميون وأدباء وسياسيون.. وحتى رجال الكنيسة الكاثوليكية.. كلها تطالب بوقف الحرب وانهاء الاحتلال الفرنسي للجزائر. هذا الفوران الشعبي الفرنسي المتعاظم انعكس على آلة الحكم والقيادات الحزبية السياسية اضطرابا وارتباكا. فالى ان ظهر على المسرح السياسي الجنرال ديجول الذي، بعد ان تولى السلطة عام 1958 سلك طريقا انتهى به الى الاعتراف باستقلال الجزائر، تعاقبت على الحكم في باريس ست حكومات خلال ثلاث سنوات فقط. ولنعد الى السؤال: هل يعيد التاريخ نفسه على نفس النسق؟ هل بدأت ارهاصات الفوران الجماهيري الاسرائيلي في تل أبيب على غرار ما جرى في باريس اواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات؟ لننظر في المشهد الفلسطيني ـ الاسرائيلي كما هو عليه الآن. انه مشهد يتحرك بايقاعات متسارعة، فما بين سبتمبر 2000 وفبراير 2002 حققت المقاومة الفلسطينية نقلات نوعية مدهشة من الحجارة لحصب الجنود الاسرائيليين الى نسف الدبابات من طراز «ميركافا ـ 3» الاسطوري عبورا باستخدام الرشاشات ومن ثم الصواريخ ذات الصنع المحلي. واصبحت النتيجة كما نرى: تحول الفواصل الزمنية لحوادث قتل الاسرائيليين على أيدي شباب المقاومة الفلسطينية من شهور الى بضعة ايام. هذه الانجازات الفلسطينية المتنامية تنعكس بالضرورة على المسرح السياسي الاسرائيلي كفشل متعاظم للسياسة الشارونية القائمة أساسا على وعد بتحقيق الامن الشامل للاسرائيليين جميعا. والآن، ومع انتشار الشعور بانعدام الأمن الشخصي في المجتمع الاسرائيلي بدأت الارهاصات. ولنستذكر ان المظاهرات الاسرائيلية المطالبة بانهاء احتلال الاراضي الفلسطينية تأتي على اثر ما هو اشد منها خطرا: تمرد ضباط الاحتياطي في صفوف الجيش الاسرائيلي. ولنعد قراءة الفصول الأخيرة لقصة الثورة الجزائرية. أحمد عمرابي