يدرك رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون انه لا مفر من العودة الى طاولة المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، وقد أكد مراراً ذلك ولكنه يتحجج الآن بأنه لن يقبل العودة الى المفاوضات، طالما تتواصل العمليات الاستشهادية التي تقودها التنظيمات الفلسطينية، ولذلك يستعمل كل البدائل للقضاء على المقاومة الفلسطينية. فما يسعى اليه شارون هو اضعاف السلطة الفلسطينية من خلال اخماد صوت الانتفاضة. فشارون يعرف ان تأثير الانتفاضة الفلسطينية على حكومته ليس بنفس حدة تأثير الانتفاضة الفلسطينية يكفي الاشارة الى ما يصيب الشارع الاسرائيلي عند تنفيذ أي عملية ناجحة أو فاشلة، ويكفي ان الانتفاضة هي التي أسقطت معظم الحكومات الاسرائيلية السابقة وكان آخرها حكومة باراك الذي لفظه الشارع الاسرائيلي لأنه لم يستطع ان يخمد صوت الانتفاضة، ولذلك يحاول شارون ألا يسقط في الخطأ الذي وقعت فيه الحكومات السابقة عندما فشلت في اخماد الانتفاضة وهو ما جعله يطالب السلطة بالقضاء على التنظيمات الفلسطينية التي تقود الانتفاضة كشرط لموافقته على العودة الى ما يسمى بمسار السلام. علاوة على ذلك يريد رئيس حكومة اسرائيل ان يكرر سيناريو مؤتمر مدريد للسلام عندما طالبت الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل ياسر عرفات بايقاف الانتفاضة كشرط لقبوله على طاولة المفاوض الفلسطيني وادخاله المفاوضات مجردا من كل الأوراق التي يمكن ان يلعبها. فلو قبلت اسرائيل بالجلوس الى طاولة المفاوضات وكانت الانتفاضة مستمرة فيمكن ـ برأيها ـ ان يستغل المفاوض الفلسطيني ورقة الانتفاضة ويطالب بما تعجز اسرائيل عن التنازل عنه، وأكثر من ذلك كله ان الانتفاضة تجعل المفاوض الفلسطيني في مركز قوة لأنه يرغم اسرائيل على التنازل عن حق الفلسطينيين في أرضهم بسلاح الانتفاضة، ولذلك تريد اسرائيل اليوم ادخال عرفات الى المفاوضات مرة ثانية وهو مجرد من أي أوراق يمكن ان يلعبها، بل أكثر من ذلك فإن الموقف الفلسطيني في الظرف الدولي الراهن الذي أعقب أحداث سبتمبر بالولايات المتحدة الامريكية غير الظرف الدولي الذي كانت عليه في الأعوام الماضية، فاسرائيل تجد اليوم مساندة كاملة من الادارة الامريكية لأنها تعتقد بأنها تشارك الولايات المتحدة الامريكية في حربها الجديدة ضد ما أسمته «الارهاب الدولي» وهي تعتقد ان التنظيمات الفلسطينية تدخل في نطاق التنظيمات الارهابية الدولية التي يتوجب محاربتها. إن شارون يوظف الظرف الدولي الراهن لتنفيذ مشاريعه ومشاريع الحكومات السابقة التي عجزت عن تنفيذها في السابق بدليل انه يتنصل من الاتفاقات التي وقّعت في السابق لأنه يعرف انه لن يلقى معارضة من الولايات المتحدة الامريكية. ومن جهة اخرى، يسعى جاهدا لزيادة إضعاف السلطة الفلسطينية وتشويه صورتها أمام الرأي العام الدولي ولن يرتاح له البال إلا حين تصبح السلطة الفلسطينية في نظر الرأي العام الدولي (سلطة ارهابية) يتعين ايجاد بديل عنها للتفاوض معه. وقد لمّح العديد من المسئولين الاسرائيليين الى هذا الاحتمال وبدأوا يروجون لأسماء مسئولين فلسطينيين من السلطة الفلسطينية على انهم من الشخصيات المعتدلة المؤهلة للتفاوض مع اسرائيل مستقبلا. وما يؤكد هذا الاحتمال هو موضوع الباخرة المحملة بالاسلحة والتي زعمت اسرائيل انها تابعة للسلطة الفلسطينية أمام القوى الدولية التي لاتزال تساند القيادة الفلسطينية كدول الاتحاد الاوروبي مثلا. ولم ينجح شارون في مسعاه وهو ما جعله يضيق الخناق على السلطة أكثر، وذلك بهدم المنازل وتقييد تحركات المسئولين الفلسطينيين الى حين تتوقف الانتفاضة، عندها سوف يقبل شارون بالجلوس الى طاولة المفاوضات أمام مفاوض فلسطيني لا يملك أي أوراق يلعبها ومجرداً من أي سند يساعده في المفاوضات، بينما يدخل المفاوض الاسرائيلي مسلحا بالدعم الامريكي اللامحدود الذي سوف يجعله يطالب السلطة باعادة مطالبها السابقة، لأنها لا تملك أي شيء تلعبه، لا الدعم الدولي ولا الانتفاضة التي كان يمكن ان تساعده في المفاوضات. هذا ما يريده شارون ومن ورائه الولايات المتحدة الامريكية بدافع محاربة ما يسمى بالارهاب الدولي!! ـ كاتب جزائري