ان يوجه نحو 60 مثقفاً وباحثاً امريكياً من بينهم الباحثان المثيران للجدل صموئيل هنتنجتون وفرانسيس فوكوياما صاحبا نظريتي صدام الحضارات ونهاية التاريخ، رسالة الى العالم الاسلامي يقولون فيها بأنهم «اصدقاء وليسوا اعداء» له وان «ما يجمع بيننا اكثر مما يفرق بيننا بكثير» فهو لا شك امر جميل ويستحق الثناء. لكن ان يقوم هؤلاء في نفس الرسالة بالتنظير لما يسمونه «بالحرب العادلة والمبررة اخلاقياً» التي بدأتها الادارة الامريكية في افغانستان والتي ينبغي ان تستمر فيها» حسب مضمون الرسالة حتى الانتصار النهائي على «الاسلام السياسي» او بتعبير اخر «الحركة الدينية المتعصبة التي نصبت نفسها باسم الاسلام» فهذا امر يتطلب الكثير من التدقيق والتأمل العميق والتوقف عنده طويلاً. لاسيما اذا ما علمنا بأن هذا الموقف المتخذ من جانب هؤلاء الباحثين قد وضع في اطار ديني مفاده بأنه يعبر عن حقيقة وجوهر موقف الديانات الثلاث الكبرى (الاسلام والمسيحية واليهودية) حسب مستندات ومراجع واحتجاجات المثقفين الموقعين على الرسالة! الامر يصبح اكثر حرجاً وصعوبة عندما يدعونا هؤلاء المثقفون وعلماء الاجتماع الامريكيون البارزون الى «الانضمام» لما يسمونه بجبهة «الدفاع عن القيم الكونية المشتركة التي تقاتل من اجلها الولايات المتحدة الامريكية»! الوعي المتعادل والمتوازن ونحن من جهتنا في العالم الاسلامي سواء كنا نخبة مثقفة او حتى ساسة حاكمين لدينا الاسئلة التالية قبل ان نحسم امر الانضمام لهذه الجبهة المقترحة: اولاً: اذا كنتم فعلاً ضد كل تطرف ديني وضد كل تعصب وعنف باسم الدين لماذا اقتصر عدوكم على «الاسلام السياسي» وحده دون غيره؟! ثانياً: اذا كانت المعركة المعلنة هي معركة اجتثاث الارهاب من جذوره كما يقال لنا فلماذا نسيتم او تناسيتم الارهاب الاسرائيلي الممارس ضد الشعب الفلسطيني منذ نحو مئة عام لاسيما ارهاب الدولة المنظم وهو الاخطر والذي يلقى الدعم والاسناد من الادارة الامريكية على الاقل منذ قيام الدولة الصهيونية؟!. ثالثاً: اذا كانت الحرب الدفاعية والتي تقوم من اجل حماية المدنيين الذين لا طاقة لهم في الدفاع عن انفسهم حرباً «عادلة ومبررة اخلاقياً» كما جاء في رسالتكم، فلماذا تعتبرون ما يقوم به الشعب الفلسطيني ومنظمات المقاومة والكفاح من اجل الحرية والاستقلال المنبثقة عنه، عملاً «ارهابياً» و«عنفاً» يتساوى في القيمة مع عنف جنود الاحتلال الاسرائيلي؟! ومن الان حتى يستيقظ عندكم «الوعي المتعادل والمتوازن» تجاه قضايا العالم المختلفة نقول لكم الفروق بيننا وبينكم على الاقل كمثقفين مسلمين مقابل مثقفين امريكيين باتجاهاتكم الفكرية المختلفة الموقعة على الرسالة المشار اليها: تبرير الارهاب الصهيوني اولاً: نحن نعتبر ان الارهاب هو عبارة عن اية ممارسة للترهيب والترويع والقتل ابتداء ومن دون حصول قتل او ترهيب او ترويع قبله انما هو حرام شرعاً وبنص الاية القرآنية الصريحة لدينا. بل ونصنف القتل من هذا النوع بمثابة «الابادة البشرية الشاملة» كما هو معنى النص القرآني المعروف: «من قتل نفساً بغير نفس او فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعاً». ثانياً: نحن لا نشخص «العدو» اي عدو الانسانية والقيم الكونية المشتركة ب«دين معين» ولا حتى «بحركة دينية متعصبة» بعينها بل بكل من يواجه حركة التكامل الانساني العامة لاي دين انتمى او بأية عقيدة توسل ونعتقد بالتالي بأن الارهاب لا «دين» له محدداً. ثالثاً: نحن نعتقد ان اساس المشاكل والتي نعاني منها في العالم الاسلامي لاسيما تلك البقعة المعروفة بالوطن العربي انما تعود في جوهرها الى العدوان المنظم والمستمر علينا منذ نحو مئة عام باسم الحركة الدينية المتعصبة والتي اسمها الحركة الصهيونية والتي تبررون لها انتم الغربيون وتجدون لها مختلف الذرائع على الاقل منذ نحو خمسة قرون، بل وتسوقونها بمثابة «نظام ديمقراطي حر ونموذج متقدم للنظام الرأسمالي الليبرالي المتحرر» في حين ان هذا النظام يمارس وبشكل يومي سياسة نازية فاشية ودينية وعرقية وعنصرية متعصبة على الملأ والناس اجمعين وعلى الهواء مباشرة وبالصوت والصورة الحية وانتم تتفرجون. رابعاً: ومن هنا بالذات فاننا نعتقد بانه اذا كان هناك من «مبرر اخلاقي للحرب» واذا كان هناك ثمة «حرب عادلة» ينبغي الاجماع العالمي عليها قبل غيرها وقبل 11 سبتمبر وبعده فهي «حرب القضاء على العنصرية والفاشية والنازية الجديدة وارهاب الدولة المنظم الذي تمارسه عصابات الكيان الصهيوني». ومن بعد ذلك فنحن لكم مساندون ومعكم متضامنون، وضد اعدائكم وهم اعداؤنا ايضاً (اي سائر الارهابيين) محاربون. الحوار المتكافئ اما ان يتلخص ارهاب الكون كله في حفنة من المتهمين المطاردين من جانب حكومة واحدة في العالم بحجة انهم مسئولون عن حوادث 11 سبتمبر المروعة والمدانة، فهذا ما لا يقبله حتى حلفاؤكم الاوروبيون خاصة اذا ما اريد للأكثرية العربية والاسلامية ان تحرق بجريرة «اقلية من بني جلدتها» خارجة على ما تسمونه بالقانون الدولي او اعراف المجتمع الدولي كما حصل مع اكثرية الشعب الافغاني المظلوم. فهذا امر لا يحتمل ولن يأتي بنتائج ايجابية لاحد. ثم اخيراً وليس آخراً فاننا كنخبة مثقفة في العالم الاسلامي انما نفضل وسائل اخرى غير الحرب والقتل واستخدام وسائل الدمار الشامل لمكافحة الارهاب وأهمها «الحوار المتكافئ» البعيد عن سياسات الغطرسة والهيمنة واملاء القرارات والتعليمات فهل ينضم الينا الستون مثقفاً امريكياً؟؟ ـ كاتب ومحلل سياسي ايراني