الزيارة المرتقبة التي سيقوم بها نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني إلى منطقة الشرق الأوسط ستفتح ملف التحالف مع الولايات المتحدة اقليمياً، وسوف يتبين مدى الصعوبة التي تكتنف هذا التحالف بتعرجاته وملابساته السياسية، خصوصاً انه تحالف يتعلق بمصالح مشتركة، غير ان هذه المصالح في حقيقتها تميل، غالباً، باتجاه الطرف الأقوى في التحالف، أي الولايات المتحدة في هذا الحالة، وهي في ميلها هذا قد تبتعد عن مصالح حلفائها الآخرين، بل لربما تصل إلى درجة الاضرار بمصالحهم. وانطلاقاً من فهم العلاقة مع الحليف بأنها علاقة تبادل حقيقي للمنافع يسبقها ادراك متبادل لماهية الشراكة وأهدافها وحدود ما يمكن ان تتحمله من الأعباء والتحديات، من الضروري الايحاء لهذا الشريك بمواقع الزلل وخطورته على الأهداف التي تسعى هذه الشراكة إلى تحقيقها، خصوصاً إذا قدر لأحد أطراف الشراكة ان يتحمل كل العبء، وفي هذا المقام أشير إلى مقالات ثلاث نشرتها جريدة «الواشنطن بوست» في بداية الأسبوع الماضي، حيث صب كاتبا هذه المقالات ديفيد اتوي وروبرت قيصر الكثير من مداد قلميهما لحديث يفضي إلى ان التحالف بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة هو تحالف «بين الأمن والنفط»، وتذهب المقالات الثلاث في مجملها إلى القول انه ما دام أمن الولايات المتحدة قد هدد فلابد من مراجعة الوضع من جديد، وفي المقالات كثير من التعليقات التي لا تحمل بالضرورة جوهر الحقيقة ولا هي تتحدث عن أمور ثابتة لا يمكن النقاش حولها، إلا انه من المهم القول انها تتضمن تحريضاً غير منطقي، ولو في صورة مبطنة غير مباشرة بهدف التخفيف من مشاعر الجمهور الأمريكي ازاء ما حدث في 11 سبتمبر الماضي، وكذلك البحث عن كبش فداء يمكن تقديمه لتطهير آثار الكارثة، بعد ان ارتبط الأمر بتوجهات ضاغطة لتغيير علاقات التحالف بين الولايات المتحدة واسرائيل، وهي التوجهات التي يطرحها الحلفاء العرب لواشنطن. ولعلني أشير هنا إلى أكثر من حقيقة أصبحت ظاهرة لكل مراقب يتابع هذا الملف المتخضم والمملوء بالمتغيرات التي تكاد تتراكم يومياً لتزيد من تعقيد القضية، من هذه الحقائق ان الولايات المتحدة على الصعيد الإعلامي على الأقل تنحي باللائمة على حليفين في الشرق الأوسط، هما المملكة العربية السعودية ومصر، وتواصل بعض وسائل إعلامها الغمز من قناة المتسببين في أحداث سبتمبر بحيث تذهب إلى القول ان المنفذين والمخططين الرئيسيين لكارثة الحادي عشر من سبتمبر ينسبون إلى هذين البلدين ولا يستطيع أحد ان يشكك في هذه الحقيقة، لكنها في الوقت نفسه حقيقة ناقصة، فلقد تبين من فيض المعلومات التي تدفق على عالم بأسره، عقب هذه الكارثة، مدى تورط الولايات المتحدة نفسها في انعاش حالة «الغلو» الاسلامي من أجل استخدام عناصر هذه الظاهرة ومتبنيها للزج بهم في أتون الحرب الباردة ضد السوفييت عندما احتلت قواتهم أفغانستان، وتتدفق الوثائق والكتابات الراصدة لهذا الأمر من مصادر عدة أغلبها أمريكي وهي كثيرة ومتوافرة لكل من يريد ان يقرأ. وإذا كان الحلفاء من الممكن ان يتحملوا جزءاً من اللوم بسبب قصور في بعض الملفات أو المتابعات فإن اللوم أيضاً ينبغي ألا ينحسر كلياً عن السياسة السابقة للولايات المتحدة، فهي تتحمل جزءًا منه قد يصل إلى حد النصف في أقل تقدير، ولقد قال لي صديق بعد ان ظهرت ملامح الحيرة على وجهه: «نحن نعرف ان طرفاً كبيراً يحارب الارهاب هو الولايات المتحدة، فمن يا ترى الطرف الثاني؟» ولقد كنت مستعداً لأقول ان الطرف الثاني هو «سياسات الولايات المتحدة السابقة على الحادي عشر من سبتمبر» لكن أخطاء الكبار تتلاشى دائماً وتذهب أدراج الرياح، بينما أخطاء الصغار هي التي تبقى، بل تتحول إلى خطايا! لا يصح توجيه اللوم إذن إلى طرف واحد فقط هو الطرف العربي، فالأخطاء مشتركة، إذا أردنا القراءة المنصفة للأحداث، ولعلنا نتجنب الحديث ـ على الجانبين العربي والأمريكي ـ عن «الإسلام والمسلمين» بإطلاق وعمومية عند الاشارة إلى ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر، ففي وسط ذلك الغبار والرماد الذي تخلف عن الكارثة سيقت مفاهيم خاطئة زادت من تعقيد المشكلة، فالذي شاهدناه ونشاهده اليوم ما هو إلا «سياسة» سياسة في تحفيز البعض للتراث ضد الاتحاد السوفييتي «السابق» واستخدامه ـ ربما من دون ان يعي أهله أو يدركوا ـ في حرب باردة، سواء بحق أو من غير حق، ولكنه في النهاية «عمل سياسي» استخدم فيه الكثير من الموروث، بهدف الحشد والتحفيز.. وأمام كتاب نشر أخيراً لعبدالله أنس الجزائري الذي كان أحد ثلاثة هم أول العرب الذين دخلوا أفغانستان، وعنوان الكتاب «الأفغان العرب» وبقراءته يطلع المراقب على واحدة من القصص المؤلمة التي تصور ما كان يجري في ذلك البلد المنكوب، ودور الأفغان العرب، أو بعضهم، فيما كان يجري. أما إذا تذاكرنا فيما قاله الكثيرون حتى الآن على محطات التلفزة والبرامج الحوارية، فإننا نرى ان الذنب لا يمكن ان يقع على كاهل طرف دون غيره، أو يكون مسئولية احادية، فإذا كان أحد الأطراف يتحمل ذنب الغفلة، فإن الطرف الثاني يحمل ذنب الفعل المقصود سلفاً، ولا شك في ان كفة الأخير أثقل بكثير من الأول. ولقد لفت نظري مقالة لمارتن اندك، هو الرجل الذي كان يتبوأ مكانة متقدمة في إدارة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون وقد جاءت المقالة التي نشرت في مطلع الشهر الماضي في مجلة «الشئون الخارجية» الأمريكية واسعة النفوذ تحت عنوان «العودة إلى البازار» وتحدث اندك عن قضايا كبيرة مختلفة وشائكة، حتى تطرق إلى «دول الشر» وهو المصطلح الذي تبناه الرئيس جورج بوش بعد أسابيع من ظهور هذه المقالة، ولسنا هنا نرمي إلى مناقشة هذه المقالة على أهميتها وحجم المعلومات التي تضمنتها، ولكننا نهدف إلى الحديث عمن وضع عدداً كبيراً من الدول مختلفة السياسات والمواقف، بما فيها الجارة إيران، في هذا التصنيف الشامل، وإدخال ايران في هذه المجموعة مرة أخرى يمثل إحراجاً لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، بل انه يجر عليهم الكثير من المشكلات ولا يساعد على تبريد الأجواء. وضع إيران مع العراق على سطح سياسي واحد يُعد خطأ آخر في التحليل وإدارة المواقف السياسية! نعلم ان الأمر قد يكون مناسباً لصناع السياسة في البيت الأبيض من أجل امتصاص غضب في الشارع الأمريكي السياسي، أو تكتيك محبذ لسبب أو لآخر ولكنه بالتأكيد ـ على الجانب الآخر ـ يخلط الأوراق خلطاً كبيراً في المنطقة، قد لا يتبين متخذو القرار في واشنطن حجم تأثيره السلبي.. وحتى عملية احتلال السفارة الأمريكية في طهران في نوفمبر 1979 لم يتعرض فيها أمريكي واحد للأذى، على الرغم من ان الحادثة استمرت شهوراً طويلة، ولعل الترحيب يكون في محله بتصريح كولن باول وزير الخارجية الأمريكية الذي حرص على التمييز بين إيران والعراق وهو صوت يحتاج إلى تأكيد ودعم. زيارة نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني إلى المنطقة تتطلب تنسيقاً مع الطرف الأمريكي الصديق، في الوقت الذي يجب ان يتفهم فيه الطرف العربي الضرر النفسي والسياسي والاقتصادي الذي لا يحسب فقط بعدد القتلى ولا بمليارات الدولارات، بل بالاحساس بالضغط تجاه المفاجأة والعجز أمامها سواء في وقت وقوعها أو في نتائجها الكارثية، فيجب ألا تبقى السياسة الخارجية الأمريكية معقودة اللسان تجاه ما يحدث في الأرض المحتلة في فلسطين، لأن الحقائق الموضوعية تقول ان ذلك جزء من تخصيب الأرض لتكريس العداء، حيث ان تاريخ الارهاب في القرنين التاسع عشر والعشرين يؤكد لنا بما لا يدعو للشك ان أفضل دفاع ضد الارهاب والعنف هو السعي الحثيث والمتواصل والشجاع لايجاد حلول سياسية للصراع القومي والايديولوجي وفك الاشتباك بين دائرة السياسة ودائرة الدين ـ والولايات المتحدة هي ـ كما يقول الواقع اليوم ـ الدولة الوحيدة القادرة على ان تأخذ زمام المبادرة في هذا الاتجاه. هذه هي الوقفة الشجاعة التي تنتظر من الصديق والحليف، أما الاكتفاء بالقاء اللوم على كواهل الآخرين، فهو ليس سوى ابتعاد عن تحمل المسئولية التي تمليها حقائق التاريخ والجغرافيا، وتؤكدها مكانة القطب الأوحد في هذا العالم الجديد! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت