حينما تتوجه إلى بياض الورق لتكتب زاويتك اليومية تشعر ان القارئ بفئاته المختلفة يجلس بقربك يدعوك، يطالبك، يسألك من الاهم والاجدى في الكتابة، وكلما حاولت وانت واحد من بين هذه الفئات ان تجرد نفسك امام نفسك وقضاياك وان تجرد نفسك من الميل الى مسائل ذاتية قد تخونك هذه الحيادية حينما يحضر الوطن بطيبه وعطره وسجاياه. تلهث فوق البياض باحثاً عما ينجيك من هذا الحب الجارف. انا لا اريد ان اتحدث عن وطني وبيتي وأهلي، أريد الآخر ان يقولها بدلاً عني حتى لا تصبح شهادتي مجروحة.. لكن هيهات من عمق الجرح اللذيذ.. فهذا وطن، أم حضنها الدافيء لا يجرح وانت اول من يسبق في الجري إلى احضانها. استبيح لنفسي اليوم هذا البياض، واترك لي كل هذه المساحة الفضفاضة في الحديث لأقول شيئاً عن فرحي.. استسمح القارئ أن يهب لي شيئاً من سطور هذه المساحة هذا اليوم على الاقل، فأنا ايضاً ابحث عمن يكتب نقلاً عني شيئاً من علاقة ما يحيط بي. دبي تتزين هذه الايام بملايين المصابيح، تلبس زينتها وحلتها السنوية المعتادة، دبي تتهيأ كطفلة البحر لاستقبال ضيوفها. ودبي تطلق افكارها العالمية وتهييء مساحات للحلم الأجمل.. في قرية التراث هناك أخبار سارة وهناك برنامج مكثف تستقبله جدران ومساحات بيت الشيخ سعيد.. هذا البيت الرمز.. مهرجان التسوق يأتي هذا العام مدفوعاً بعشرات البرامج الثقافية والتراثية التي ستفتح صدر دبي لالتقاء الحضارات والثقافات، ابن ماجد سيكون حاضراً امام الزوار الغرباء في معرض يدوم ويدوم طيلة الايام.. ومجموعة من الشعراء ستحيي ليالي الخور وجدران الطين بالقصائد.. مهرجان دبي للتسوق وحسب ما يدور في كواليس الاعداد والاستعدادات يأخذ صبغته الثقافية الفنية هذا العام، في إطار رسالتها للعالم، ودبي وهي الواحة الاكثر امنا وسلاما ومحبة للآخرين تفتح نوافذها لهذا الطقس الثقافي. دبي هي المدينة الوحيدة القادرة على جعل زاوية السوق المكتظة بالباعة والمشترين مكاناً للفعل الثقافي، وهي المدينة الوحيدة هنا التي تجعل من رخام جدران المراكز التجارية معارض للفن، وهي الوحيدة المهيأة اليوم لاستقبال كل فعل ابداعي أصيل أينما وضعت يدك على جدرانها وشبابيكها وارصفتها وشواطئها. ينبع هذا الفرح من مفصل صغير جداً دعوتكم اليه في هذا الحديث لسبب بسيط هو ان دبي تاريخياً في الثقافة والادب مركز طليعة تبدت منذ ان كانت الفكرة تفد المنطقة عبر موانيء السفن القادمة والمغادرة.. على ضفتي خور دبي تصطف سلسلة من جدران البيوت الطينية والاسواق القديمة المحدثة الان.. وبين ازقتها في ذلك العهد القديم مر ادباء ومفكرون وشعراء سجلوا في ذاكرتها وذاكرتهم شيئاً من ذلك التنوير. ليكن مهرجان ثقافة لا تسوق حتى وان كان الاثنان معاً افضل.