متى يتوقف النزف الاداري الحاد في بعض مؤسسات الدولة؟ سؤال يجب التفكير فيه بجدية والبحث حوله بعلمية تامة للوصول الى الاسباب الحقيقية لاستقالات الموظفين المتميزين، من دوائرهم في مدة قياسية قاموا خلالها بانجازات تشهد دوائرهم لهم بذلك، فلم إذن اللجوء من قبل هؤلاء الى هذه الحالة من النزف المستمر دون ان يقف احد للتساؤل والمبادرة في استدراك الامر قبل ان يطعن في المؤسسة من الخلف؟ مؤسسات الدولة بحاجة الى جهة رقابية محايدة، تعيد الحقوق المهضومة الى اصحابها أو وضع الموازين التي تحافظ على بقاء الموظف دون ان يتحول الى بركة من المياه الراكدة أو الجامدة. ومعرفة حدة هذا النزف سهلة للغاية بمراجعة كشوف التعيينات والاستقالات السنوية، سوف يتضح من خلال عدد الداخلين أو الخارجين من المؤسسة لأسباب معلومة أو خافية في نفوس اصحابها، وهنا لا نتحدث عن الموظفين الذين يجدون فرصاً للترقي في المواقع الاخرى للعمل، وانما نؤكد على الافراد الذين وجدوا ضالتهم أو مقصدهم أو مستقبلهم في جهة ما، ثم خابت ظنونهم وخانت المؤسسة آمالهم في طموحاتهم. والسؤال الآخر هل حقا ترفض بعض المؤسسات وجود أفراد طامحين فيها أو حتى منافسين للقيادات العليا منها؟ اذا كان الجواب بالايجاب، فان الطامة أكبر، والمصيبة أعظم، لان هذا يعني ان يحتكر الرأس الواحد كل شيء في المؤسسة، وبهذا تضيع كل مقومات الادارة الحديثة وخاصة من قبل بعض المسئولين الذين يتغنون بموسيقى الادارة اللامركزية، الا انهم عند الاصطدام بالواقع تتغلب المركزية وتتسرب فرص التفويض في الصلاحيات من بين أيدي المدعين، فيبقى الفرد الواحد هو الآمر والناهي في المؤسسة بحيث ان بروز الاحساس عن المبادرات الذاتية في العمل يعد خطوطاً حمراء قد تؤدي بالحياة الادارية للافراد الى ركن قصي من الدائرة أو المؤسسة. في مثل هذه الاجواء المشوبة بالحذر والترقب يغرق التميز في بحر من الاوهام الادارية وتتأخر المشاريع الرائدة، لان روادها غير مرغوب فيهم، ولا يسمح لهم بالظهور الا اذا وجدوا من وراء مسئوليهم ظهورا قوية تساندهم، وتدفع بهم الى الامام من الخارج، وهذه الحالة اذا تحققت لفرد معين من هؤلاء، فإن فرصة الاخرين ضعيفة بحكم دوامة العمل اليومي التي تذهب بالأعمار بعيداً عن مجال الانتاج المبدع أو الخلاق. متى ترتقي اداراتنا ومؤسساتنا في اعمالها فوق روح المنافسة الشخصية، ان الغربيين سبقونا في الادارة عن طريق اللوائح والقوانين التي تعيد الحقوق الى اصحابها وتعوض المظلومين عن فترات الضياع التي كانت المؤسسة سبباً في الهدر والتأخر في انجازاتها، فلماذا اخذنا منهم المظهر وتركنا الجوهر؟!