ما أن أخذت موقعي على طائرة الخطوط الجوية القطرية التي كانت متوجهة من القاهرة الى الدوحة حتى وقف بمحاذاتي شاب وقفت الى جواره سيدة أنيقة، ثم صاح الشاب مرحبا وبي ومحتفيا بطريقة استعراضية محببة، ومشيدا بقناة «الجزيرة» وبما أقدم فيها من برامج، فقمت وشكرته على حفاوته كما شكرت السيدة التي أومأت لي وحيتني هي الاخرى ثم جلس الاثنان على الكرسيين اللذين يقعان خلفي مباشرة، وانشغلت بما بين يدي من مطالعات على اعتبار ان ما حدث هو شيء عادي بالنسبة لي، فعادة ما أجد تقديرا وحفاوة من الناس أرد عليه بمثله أو أفضل منه ان استطعت. وبعد اقلاع الطائرة قمت من مقعدي، فحياني الشاب مرة اخرى ثم أخذ يحدثني عن بعض برامجي بشكل من المتابعة الدقيقة لها، والسعادة بما يجده فيها وقال انه يربط اوقاته بمتابعتها، وكذلك تابعت السيدة بعد ذلك بشيء من هذا القبيل فشكرتها مرة اخرى وشكرته ومن قبيل الحفاوة والترحيب بهما قلت لهما: هل أنتم مقيمون في الدوحة ام في زيارة لها؟ فرد علي الشاب بتعجب واستغراب قائلا وهو يشير الى السيدة: أستاذ أحمد.. أما تعرف الفنانة العظيمة.. فقلت لها بشيء من الحرج والاستغراب أنا آسف يا افندم أهلا وسهلا، وكانت هذه هي المرة الاولى في حياتي التي اسمع فيها عن اسم هذه الفنانة العظيمة، ثم قلت له: وحضرتك فنان أيضا؟ قال: أنا مدير أعمالها، فقلت لهم :مرحبا بكم ، وبمزيد من الجهل والحرج والتلعثم والتردد قلت له: وأي نوع من الفن تقدمون؟ واصل الشاب استغرابه قائلا: مستحيل أستاذ أحمد نحن نتابع برامجك وأنت لا تتابع أغنيات المطربة العظيمة.. زاد حرجي وخجلي وقلت بتلعثم: أنا آسف للغاية لقد توقف بي الزمن في هذا العلم عند أم كلثوم وعبدالوهاب وحليم وفريد وجيلهم ولا أدري ماذا حدث في الدنيا بعدهم. ضحكت الفنانة العظيمة وضحك مدير اعمالها ثم قالوا من المؤكد انك تمزح، فضحكت أنا الآخر، وكتمت جهلي، ثم قلت لهما، وماذا ستفعلان في الدوحة؟ واصل الشاب استغرابه وقال: أما تتابع الأحداث؟ صمت برهة ثم قلت له بشغف: وماذا حدث لقد سمعت نشرة البي بي سي وأنا في طريقي الى المطار ولم يكن فيها شيء مقلق؟ ضحك الشاب الذي كان ظريفا للغاية ثم قال لي :الأمر لم يصل الى البي بي سي ، اننا مدعون الى مهرجان الدوحة للأغنية والاستاذة سوف تغني فيه غدا، قلت له وأنا استعيد وعيي: آآآه نعم، أنا آسف للغاية لقد كنت مشغولا بالقمة العربية وملابساتها وكيف سأعالج الموضوع بشكل متميز في برامجي واعتقد ان مكروها حدث بشأنها، وغفلت عن هذا الحدث العظيم الذي تتحدث عنه، اصر الشاب ان يأخذ مني هواتفي ومنحني هواتف الفنانة العظيمة وهواتفه عسى ان أسعى لتثقيف نفسي وتثقيف مشاهدي الجزيرة بما أجهله عنها.عدت الى مقعدي أندب حظي العاثر وجهلي بالزمن وأهله، فقلت في نفسي هذا ما جناه علي تعاطي السياسة، ماذا لو اعطيت بعض الوقت لمتابعة الفن والفنانين المحدثين بأقسامهم المختلفة رغم اعدادهم الهائلة، والتعرف على صورهم وحفظ اسمائهم وشيئا من الهزل والسخافة والابتذال الذي يقدمونه للناس على سبيل العلم بالزمن وأهله وادراك المنزلق التي وصلت اليه اذواق الناس واهتماماتهم لا سيما وان ما يقومون به ليس سوى افراز للسياسة وأهلها فسياسة المواجهة هي التي صنعت الغناء الجاد أما سياسة التخاذل فهي التي صنعت اغاني هذا العصر او على الاقل حتى اتجنب مثل هذه المواقف المحرجة. عدت بذاكرتي الى أيام قليلة خلت حيث دعيت الى حفل عشاء في القاهرة حضره كاتب الاغاني خفيف الظل عنتر هلال او كما يسمي نفسه عنطر بالطاء كما كتبها في بطاقة التعريف الخاصة به، وكان الرجل يجلس الى جواري وقد قابلني بحفاوة مبلغا اياي مدى اعجابه وافراد اسرته ببرامجي، والحقيقة اني لم أكن اعرف الرجل حتي تلك اللحظة لكنه حينما جلسنا قال لي: انه كاتب اغاني وقبل ان تظهر علي علامات الجهل انقذني الرجل وقال لي بروحه الطيبة المليئة بالمرح والدعابة: انني صاحب اغنية «بابا اوبح» قلت له: نعم.. نعم.. وعلى طريقته في الدعابة قلت له: هو حضرتك بقى بابا أوبح؟ فغرق عنطر في الضحك وعدد لي كما آخر من الاغنيات على منوالها، على رأسها أغنية «كمننه» ثم أخذ يحدثني عن هذا العلم الكبير الذي يجهله امثالي، ومن اين يستوحي اغانيه وافكارها حتى ان الملايين يرددونها بعد ذلك ويقتنون اشرطتها، وقال انه سبق وان اشترك مع الزميل فيصل القاسم في برنامجه «الاتجاه المعاكس» فأبلغته ان حظي العاثر لم يمكنني من مشاهدة هذه الحلقة التي من المؤكد انها كانت ناجحة نجاح «بابا أوبح». اسعدني الاستاذ عنطر بخفة ظله في تلك الليلة وقضيت أكثر من ساعتين من الضحك المتواصل رغم وجود ظرفاء آخرين في العشاء فأخرجني قليلا من هموم السياسة التي تجعلنا نعيش في أرق وقلق وتوتر وضغط متواصل، وقرب نهاية العشاء قال لي الاستاذ عنطر بظرف بالغ: ان زوجتي تقدرك كثيرا وتقدر برامجك وتتابعها بانتظام ولولا اني ابلغتها اني سوف اتناول العشاء معك لعرقلت خروجي الليلة وربما منعته فهل من دليل اقدمه لها على اني كنت اتناول العشاء معك؟ غرقت في الضحك لوقت طويل وغرق عنطر معي، ثم فكرت قليلا وقلت: سوف ازودك بدليلين الأول: هو بطاقة التعريف الخاصة بي فاذا لم تكن كافية فهناك دليل آخر اقوى هو اسم ضيف الحلقة المقبلة من برنامج بلا حدود والتي لم يعلن عنه بعد واذا اضطر الامر لاجراء محادثة هاتفية كدليل ثالث فلا مانع عندي.كنت باتسم وأنا استرجع هذه اللحظات المضحكة حتى قطع تفكيري فجأة صوت مدير أعمال الفنانة العظيمة وهو يقول لي وهي الى جواره: أستاذ أحمد الاستاذة بتقول لك اذا لم تحضر حفلها غدا فانها هتزعل منك كتير؟ قلت له وأنا اشكرهما وأوجه الكلام اليها مجاملا؟ وهل يستطيع أحد أن يزعل الاستاذة؟ ثم عدت مرة اخرى اندب حظي وأقول: هذا ما جناه علي الجهل بالزمن وأهله؟ ـ كاتب واعلامي مصري