عندما يدخل الفتى (أو الفتاة) مرحلة المراهقة يعيد اكتشاف العالم.. وبالنسبة لجيلنا، وفي ضوء أحوال ذلك الجيل المالية، لم يكن متيسرا أن يعاد اكتشاف العالم من خلال سفرة والى عبر المتوسط حتى الى قبرص، أو على متن سفينة بضائع حتى الى لبنان.. دع عنك أن تحلم يوما بركوب هذا الكائن الخرافي الذي يحمل اسم «طيارة» أو تمسك بين أناملك تلك الوثيقة السحرية التي تحمل اسم «الجواز». وكم كان يسعدنا ولو من باب تعزية النفس أن نقرأ مثلا للأستاذ العقاد عبارته الشهيرة: «أنا أطوف أرجاء العالم كله دون أن أبرح مكتبة بيتي.. والفضل في ذلك.. لكتاب..» والحق نقول ان العقاد كان أقرب الى قلوبنا من زميله الدكتور طه حسين.. صحيح أننا كنا نقرأ للعقاد فلا نكاد نفهم شيئا فقد كانت السن صغيرة وكان الكثير من كتب العقاد صعبا في الموضوع والأسلوب.. مثلا كتاب الله: بحث في العقائد.. أو عبقرية المسيح وهو بحث في علم مقارنة الأديان بل كان طه حسين يكتب بعربية سائغة وايقاع وئيد وجميل وخاصة سيرته الذاتية في «الأيام»، لكن طه حسين كان قد حمل في فجر طفولته لقب الباشا وأصبح ـ كما تعرف طبعا ـ وزيرا للمعارف في حين أن العقاد ظل ـ كما تصورنا ـ رجلا شعبيا بغير رتبة أو ألقاب أو تشريفات ولا كان يملك حتى سيارة.. وكم كان يسعدنا، ونحن في طور الطفولة ندرج نحو بدايات الصبا أن نترقب نزول العقاد من مبنى دار الهلال الباذخ في شارع المبتديان يقف بقامته السامقة وسمرته الأسوانية المشربة بحمرة خفيفة (ربما من الأصل الكردي الذي خالط أرومته من ناحية جدته) وبعدها يشير الفقير كاتب السطور الى الرجل وهو يصلح كوفيته حول رقبته وينتظر التاكسي فأقول لرفاق الطفولة في اعتزاز غريب: هذا هو عباس العقاد، هنالك يرمقني الرفاق في المدرسة أو الحي المجاور الذي نسكنه بقدر معقول من التقدير والاعجاب الذي لا يمكن أن يناله سوى مثقف «نحرير» مثلي ـ كيف لا وقد عرف أن في السويداء رجلا اسمه العقاد.. بل وتعرف على شكله وهيئته ساعة نزوله من تلك الدار التي كنا نحس أنها تضم خلف جدرانها الحجرية الصلدة أسرارا وأحداثا عجيبة وغريبة وكان اسمها دار الهلال (مازلت أتوقف في البقعة نفسها وأتمثل هيئة العقاد واقفا ينتظر عربة الأجرة كلما زرت صديقنا الكاتب مصطفى نبيل رئيس تحرير مجلة الهلال). ذات يوم جاهدت النفس على أن أقرأ سطورا للعقاد وكانت عن كاتب آخر قالت السطور ان اسمه شكسبير ومضت تكيل له صنوف الاعجاب والمديح.. كيف السبيل إذن الى أن نعرف هذا الشكسبير؟ وهو يكتب بالانجليزية ونحن لا نعرف منها وقتها سوى دبوس ابرة يعني «بِن» وكبريت يعني «ماتش» وصندوق يعني «بوكس» وأن الفرق بين الفأر عند الانجليز وفم الانسان هو أن تخرج اللسان بين الشفتين عند نطق الكلمة الأخيرة وإلا تساوت الأمور بين ماوس وماوث، وساعتها يحق عليك عقاب الضرب بعصا رفيعة على أطراف البنان في صباحات الشتاء القارس، ولولا ذلك لظللنا نخلط في نطق الكلمتين حتى كتابة هذه السطور. كيف السبيل إذن ونحن في الطور الأخير من الطفولة وعند مقتبل المراهقة الأولى ـ الى أن نعرف أو نقرأ شيئا عن ويليام شكسبير؟ وذات يوم آخر جاء واحد من الرفاق الى المدرسة وفي حقيبته عدة كتيبات على غلافها صور مرسومة.. كان الفتى موضع حسدنا أو غبطتنا لا ندري.. إذ كان الوحيد أو شبه الوحيد الذي يلبس ساعة في معصمه.. وكانت معاصمنا ـ يا حبة عيني ـ فارغة من صنف الساعات.. كان والده، على ما نذكر مستشارا في سلك القضاء فأحضر له تلك الكتيبات التي كانت تحمل عناوين من قبيل الملك لير والعاصفة ومكبث والليلة الثانية عشرة وتاجر البندقية وحلم ليلة منتصف صيف.. وكلها طبعا من تأليف شكسبير لكنها كانت تحمل اسما عريبا آخر كانت قراءته اكتشافا لنا في تلك السنوات البعيدة وهو.. كامل كيلاني. العم كيلاني هذا أخذ على عاتقه أن يمد يده الى تراث ويليام شكسبير فيقرأه ويتناوله بما يسعه من تلخيص واستيعاب وتكثيف وتركيز ثم يعيد انتاج هذا كله في عربية بليغة.. بسيطة وسائغة فإذا بها تستهوي أولادا ـ أو بنات ـ ما بين العاشرة والثالثة عشرة يقبلون على مطالعتها ويتمثلون أحداثها ويتابعون فصولها ويشفقون بشخصياتها التي أضحت أسماء يتداولونها فيما بينهم.. يكرهون شيلوك اليهودي في تاجر البندقية ويحبون كورديليا الابنة الحادبة على أبيها الشيخ الملك لير ويبغضون ليدي مكبث وزوجها حين قتلوا الملك الاسكتلندي الطيب دنكان ويحارون في فهم حكمة الحياة مع الأمير الدنماركي هاملت.. موائد عامرة اتيحت للفتيان والفتيات قوامها المتعة والمعرفة والتسلية.. والفضل للاستاذ كامل كيلاني الذي بنى لهم بجهد دؤوب جسورا وصلت بينهم وبين عبقري الانجليز ويليام شكسبير. انقضت أيام وانصرمت سنوات وظل العبد الفقير على جهل من جانبه بمكانة العم كامل كيلاني.. ظللت أتصور أن الرجل هو كاتب الأطفال الأول في مصر وفي الوطن العربي ولا أزيد. وكنت أمر في رواح وغدو على مكتبته العتيدة في شارع الساحة عند مبنى الأهرام القديم في وسط القاهرة فأتصور أنها مكتبة متخصصة في أدب الأطفال، صحيح أن كان الوجدان يلهج بالشكر إزاء الاستاذ كامل كيلاني، لكن الصحيح أيضا أن كان المرء ـ والحق يقال ـ يجهل المكانة التي كان يشغلها ذلك الأستاذ الكبير في متن الحياة الأدبية الحديثة في أمة العرب. فبقدر ما كان كامل كيلاني رائدا في أدب الأطفال بقدر ما كانت قامته تطاول قامات كثير من معاصريه وعلى رأسهم طه حسين وعباس العقاد. وعندما بدأت أتعرف على جوانب حياته الثرية بالعمل المفعم بالعطاء كان قد رحل مبكرا الى عالم البقاء (عام 1959 عن 62 عاما) وكان يجيد الفرنسية والانجليزية واستمر طوال 30 عاما يقيم في منزله ندوة أسبوعية يختلف اليها ـ كما يقول العلامة الزركلي ـ لفيف من أصدقائه من رجالات العرب والاسلام. ولم أكن أعرف أن كامل كيلاني لم يقتصر في أدب الأطفال على روايات ويليام شكسبير بل تعدى نشاطه في هذا المضمار الرائد انتاج «مجموعة قصص فكاهية» (من أدب العرب) و«مجموعة قصص هندية» و«مجموعة قصص علمية» و«مجموعة من أساطير العالم» و«مجموعة قصص من ألف ليلة وليلة». الى جانب دراسات وترجمات رفيعة المستوى عن ملوك الطوائف في الأندلس وعن رسالة الغفران للمعري. ويبدو أن الرائد الكبير كان يضع نصب عينيه مرحلة النشأة والتكوين من حياة الانسان العربي المعاصر.. الى جانب كتب الأطفال نراه يولي اهتماما ـ بشكل غير مسبوق فيما نعلم ـ الى تعليم الناشئ أو المتأدب مهارات التعبير عن النفس.. قدرات الدقة في استخدام مصطلحات اللغة ومفرداتها ومفاهيمها.. ثم يصدر كتابا فريدا عام 1934 ـ مستفيدا من كتاب انجليزي ـ ويتخذ له عنوان «فن الكتابة» ثم يصدر من بعد كتابه الموسوعي بعنوان «مختارات كامل كيلاني» وهو بمثابة جولة واسعة في ميادين الأدب والفن والعلم والفلسفة عبر التراث العربي والعالمي. على أن شخصية «جحا» كانت موضع اهتمام خاص من الأستاذ كامل كيلاني التي كلف بها ودرسها، أو بالأدق درس تنويعاتها أو نظائرها عبر ثقافات شتى في أنحاء العالم. عاش كامل كيلاني مرحلة الاتقاد الثوري ـ الوطني في ثورة 1919 في مصر ـ كان وقتها قد جاوز العشرين بقليل.. وكان قد قرأ وتعلم على يد علماء الأزهر الشريف وفي مقدمتهم رواد مستنيرون مثل الشيخ المرصفي أستاذ طه حسين.. وكان طبيعيا أن تثير أحداث الانتفاضة الوطنية ـ الشعبية ضد الانجليزي موهبة الشعر عند الفتى كيلاني ويبدو أن الرجل حين انصرف الى الكتابة النثرية سواء في أدبيات الأطفال التي ارتاد تخومها أو في البحوث والترجمات التي عكف على اخراجها الى الناس آثر أن يطوي صفحة الشعر رغم تقدير أصدقائه الأدباء لموهبته ليقينه بأن شعره لم يكن في رأيه ليستحق أن يجمع في ديوان على نحو ما يقول الكاتب نبيل فرج في مقال عن كامل كيلاني (كتاب المقاعد الشاغرة في الثقافة العربية). لست أدري إذا ما كانت مكتبة كيلاني ما زالت قائمة في مكانها القديم من شارع الساحة القاهري العتيد وأغلب الظن أنها لم تعد قائمة فالدنيا تتغير والزمن قُلب دوار.. والذي ندريه أن بين أيدينا تراثاً وعطاء لا يزال موجودا بحمد الله جاد به كامل كيلاني على بني أمته ـ وخاصة في مجال ثقافة الطفل العربي ـ ولاشك أن يصلح منه الكثير والمفيد من أجل اعادة نشره، لو امتدت اليه يد ناشر مثقف حادب على فكر هذه الأمة الطيبة حريص على أن يظل عطاء مبدعيها حالا ومتدفقا وموصولا