اذا كانت هناك ضرورة لأن يكون للعرب مشروعهم القومي فانه لابد أن يكون مشروع التكتل السياسي والاقتصادي العربي في عالم اليوم فقد كان القرن الماضي، يتميز بأنه قرن النفوذ الاستعماري وسيادة عامل الأيديولوجيا أما القرن الحالي الذي نحن مازلنا في مستهله يتميز بأنه قرن القوة الاقتصادية والتكتلات السياسية! ولابد من الاعتراف بأن أمما كثيرة قد تجاوزت أمة العرب في سباق التقدم والتنمية خلال السنوات الخمس الأخيرة الأمر الذي سيظل عاملا مؤرقا للضمير الجماعي العربي وأعتقد أنه يحفز أبناء العروبة على اعادة النظر في أوضاعهم عامة ورؤيتهم لماهية التعاون والعمل العربي المشترك بصفة خاصة!!ان العلاقات الاقتصادية البينية بين الدول العربية لم تعد وحدها كافية لتفعيل هذا التعاون وأصبح من الضروري البحث عن صياغة تعاون من نوع آخر لا يعتمد فقط على روابط المصير المشترك والعاطفة القومية وانما يضع في اعتباره المصلحة القومية العليا التي هي محصلة كل المصالح المنفردة في أمتنا العربية سياسية أو اقتصادية!!بعبارة أخرى فان العرب في عالم اليوم بصدد تحد يفرض عليهم أما (أن يكونوا أو لا يكونوا) خاصة وأن هذا العالم لم يعد يعترف بغير الاقوياء اقتصاديا!!ان العالم الذي ارتضى حرية التجارة وأزال العوائق الاقتصادية والسياسية التي تكبل هذه الحرية أخذ يكيف أوضاعه منذ سنوات وفق مصالح قواه الكبرى الغنية على حساب الدول المستضعفة الفقيرة.وللأسف مهما حاولنا الدفاع عن التفوق النسبي لبعض الدول العربية في مجالات اقتصادية محدودة مثل النفط والعنصر البشري الا أن الأمة العربية مازالت من وجهة نظر الدول الكبرى تحسب على دول العالم الثالث ومرجع ذلك أن العرب تعاملوا مع عالم الأقوياء بمنطق فردي انعزالي ومصلحة قطرية (بضم القاف). هذا يأتي في الوقت الذي تكتلت فيه أوروبا الغربية سياسيا واقتصاديا وفرضت نفسها على عالم اليوم رغم أن دولها مختلفة اللغات متباينة الحضارات والثقافات!أما نحن العرب أصحاب اللغة الواحدة والدين الواحد والأصول الحضارية المتماثلة تخلفنا عن الركب!في تصوري أن الخطر بات يداهمنا ويكمن في أننا سواء شئنا أم أبينا منتمون للعالم متفاعلون معه وأتصور أن منطق التحوصل والعمل الفردي على حل مشكلاتنا لن يفيد بل سوف يصطدم العرب بمشكلات أكثر تعقيدا فالتنمية الذاتية في جزر منعزلة مفهوم عفا عليه الزمن!ان العرب يعيشون عالما يحاول الأقوياء فيه أن يفرضوا منطقهم تحت مسميات (العولمة) والمجتمع الكوكبي وغيرها من المفاهيم الجديدة التي اقترنت بالنظام العالمي الجديد مما يعني ضرورة التعامل مع هذه المفاهيم من خلفية تحكمها القوة السياسية والاقتصادية حتى لا يصبح رفض الواقع هروبا من سيئ الى أسوأ. ويظل السؤال الأكثر الحاحا على الفكر والعقل العربي.. ما هو سبب التخلف العربي؟ وكيف يمكن النهوض من عثرتنا؟بالطبع التخلف له جوانب عديدة وأهمها في تصوري الجانب الاقتصادي لابد أن نعترف بأن العرب لم يحسبوا الأمر كما ينبغي رغم أن مفهوم عولمة الاقتصاد الدولي ليس جديدا فهو فكرة تعود الى العام 1947 عندما اتجهت جهود العالم بعد الحرب العالمية الثانية - بما فيها الجهود العربية - الى انشاء نظام اتخذ شكل اتفاقية دولية متعددة الأطراف أطلق عليها اسم الاتفاقية العامة للتجارة والتعريفات المعروفة اختصارا باسم «الجات» واستهدفت هذه الاتفاقية تحرير التجارة الدولية وتبسيط اجراءات التصدير والاستيراد وفرض الحماية بالتعريفة الجمركية دون استخدام المعوقات غير الجمركية وكذلك الغاء القيود الكمية ونظام الحصص الذي كان سائدا. وبشكل عام قامت اتفاقية الجات على ثلاثة مبادئ أساسية : 1ـ عدم التمييز في المعاملة بين الدول في التجارة الدولية. 2ـ عدم سن قوانين تحد من حرية التجارة وهو مبدأ الشفافية. 3ـ تنظيم مبدأ عدم التمييز أو ما يعرف بشرط الدولة الأولى بالرعاية. جاء هذا التطور في الفكر الاقتصادي الدولي متواكبا زمنيا مع انشاء جامعة الدول العربية في العام 1945 واتساع نطاق حركة الاستقلال في معظم الدول العربية ، ومن ثم كان من الطبيعي أن تحدث مواءمة بين هذا التطور والأوضاع الجديدة للدول العربية حتى تستفيد منه! وخلال الفترة من العام 1947 حتى العام 1986 عقدت ثماني جولات للجات كانت آخرها في أورجواي التي استمرت نحو ثماني سنوات وشملت مجالات جديدة لم تكن تعرف من قبل مثل حقوق الملكية الفكرية واجراءات الاستثمار وبدأ تنفيذ اتفاقية الجات التي شاركت فيها 124 دولة اعتبارا من العام 1994 ووقعت عليها بالطبع دول عربية.وقد أعطيت الكثير من الدول مهلة عشر سنوات لتوفيق أوضاعها الاقتصادية بما يتلاءم مع متطلبات الجات! ولكن الذي حدث.. مرت ثماني سنوات من المهلة ومعظم الدول العربية المشاركة في اتفاقية الجات لم تعد نفسها للتطبيق الكامل للاتفاقية فتركت الكثير من الاقتصادات العربية نفسها لتقع فريسة للتضخم المالي والعجز الدائم في ميزان المدفوعات واختلال توازن أسعار العملة المحلية في مواجهة العملات الأجنبية القوية وصاحب ذلك انتشار البطالة بنسب مخيفة في مجتمعات تحتاج الى الاستغلال الأمثل للطاقة البشرية.غير أن بعض الاقتصادات العربية رغم ذلك حافظت على قوة الدفع وحققت نموا اقتصاديا وبقي البعض الأخر يعاني من أزمات اقتصادية متلاحقة.والواقع ان مفاوضات اتفاقية الجات ساعدت على تبني بعض الدول العربية لسياسات الاصلاح الاقتصادي في اطار استراتيجيات تنموية تتوافق مع التغيرات القادمة التي من المفترض أن تظهر أثارها اعتبارا من العام 2004.ولكن لم تتم مراجعة لمواقف الاقتصادات العربية من خلال اطار أشمل يحقق رؤية مشتركة للقوة الاقتصادية العربية وكما أوضحنا تم التعامل من منظور أحادي الجانب الأمر الذي افتقد فكرة التوحد الاقتصادي العربي. في اعتقادي أنه آن الأوان لكي يفيق العرب من غفوتهم ويتعاملوا مع عالم الجات من منظور اقتصادي جماعي وليس تآمريا بعبارة أخرى لا بديل عن التكتل السياسي والاقتصادي العربي للتخلص من المشكلات الاقتصادية المترتبة على عدم مسايرة التطور في الاقتصاد الدولي. فقد بات واضحا أن تبني استراتيجية تعتمد على تنمية الصادرات مثلا تقوم على الانتاج من أجل التصدير ضرورة ملحة تساعد على خلق منطقة اقتصادية عربية حرة تمارس أسلوب تحرير التجارة البينية على المستوى الاقليمي وتعمل على توسيع الأسواق العربية لاستيعاب منتجاتها أولا حتى تكتسب القدرة على النفاذ الى الأسواق العالمية. خلاصة القول.. ان الحاجة ماسة لان يكون هناك اتفاق عربي يضمن انسياب السلع والخدمات ورؤوس الأموال من الدول العربية بدون عوائق أو قيود وفقا للمزايا النسبية بما يحقق مبدأ (التخصص) وارتفاع العائد للدول المشاركة فيه حيث تستطيع كل دولة في عالمنا العربي أن تتخصص في انتاج السلعة التي تتمتع في انتاجها بميزة نسبية أفضل وبتكلفة نسبية أقل من قبول مبدأ المنافسة للارتقاء بمستوى الصناعات المحلية وهذا كله بلاشك سوف يساهم في خلق المزيد من فرص عمل جديدة تحل مشكلة البطالة. ويستلزم التكتل الاقتصادي العربي تكتلا موازيا على المستوى السياسي يؤهل كلاهما الأمة للوقوف على أرضية صلبة في مواجهة عالم الأقوياء.. عالم الجات ويمكن الاشارة في هذا المقام الى أنه من المهام الأساسية لمؤتمر القمة العربي القادم في بيروت أن يضع أساسا لتفعيل اقتصادي عربي يكفل بشكل عملي وواقعي قيام التكتل العربي المنشود سواء بتوقيع اتفاقية (جات عربية) نعوض فيها فترة السبات العميق التي وقعنا في شراكها لسنوات أو بحث السبل الكفيلة بانشاء السوق العربية المشتركة. ـ كاتب مصري