لا ننكر ان القدرة العسكرية للكيان الصهيوني والقدرة الميدانية له كانت حاضرة في معظم الصراعات المباشرة بينه وبين العرب، ولكن رغم كل هذه القوة الوحشية التي يمارسها في الاراضي الفلسطينية فإن حالة من الفوضى تسود كافة قطاعات هذا الكيان متأثرة بالانتفاضة الفلسطينية، فالتقهقر والاختلاف في وجهات النظر باتا الموضوع الرئيسي الذي يشغل الساحة السياسية على كافة مستوياتها سواء داخل الحكومة أو في الاحزاب السياسية قريبة كانت أم بعيدة من ساحة حكومة شارون الذي لايزال يصر على تسميتها بـ «حكومة الوحدة» وبالطبع لا يخفى على أحد الانهيار الاقتصادي الذي يتفاقم يوما بعد يوم في اسرائيل ولا يقتصر هذا الانهيار على القطاع السياحي كما يعتقد، بل يشمل جميع الفعاليات الاقتصادية وبلا استثناء، اضافة الى الحالة الاجتماعية المتردية التي يعيشها الشارع الاسرائيلي سواء من جهة ارتفاع معدلات الجريمة أو الانتحار أو حالات الارهاب التي باتت موضوعا حاضرا داخل هذا الكيان، ويأتي على رأس هذه القوائم من الآثار التي تركتها الانتفاضة التهرب من الخدمة العسكرية التي تعتبر حالاتها من أشد المسائل تعقيدا وتأثيرا على بنية الجيش الذي أخذ الدور الأكبر في الأحداث الحالية، فإلى أي مدى تأثرت هذه البنية وهل يمكن ان تتطور هذه الحالة؟ سيطرة مطلقة لقد تنبه الكثيرون داخل الكيان الصهيوني بأن المؤسسة العسكرية باتت تسيطر على القرار السياسي في اسرائيل حتى ان يوسي ساريد زعيم حركة ميرتس اليسارية أعلن عن الخطر الكبير الذي يتهدد القرار السياسي كون المؤسسة العسكرية باتت تشارك به بشكل بل لا يمكن تحمله على الاطلاق وتجلى ذلك بشكل واضح في اجتماعات الكنيست التي تعتبر المؤسسة التشريعية الأولى حسب القانون الاسرائيلي ولكنها الآن تحاط بمجموعة من الجنرالات العسكرية التي تتدخل في القرار السياسي وتفرض شروطها عليه، ولعل السبب الرئيسي في ذلك ان وعد شارون الأمني الذي لم يتحقق أي جزء منه بات المحرض الرئيسي على حضور العسكر في القرار السياسي، فشارون أعلن في برنامجه الانتخابي ان القضاء على الانتفاضة الفلسطينية سيكون بمدة اقصاها مئة يوم من لحظة تسلمه السلطة، وقد مرت حتى الآن مئات الأيام ولم يستطع ان يفعل شيئا رغم كل المجازر التي يقودها بحق الشعب الفلسطيني، وفي هذه الاجواء العسكرية صار من الصعب على شارون ان يتفاخر بقدرته الامنية التي جاء الى السلطة من أجلها وعلى عكس ذلك فالوقائع على الأرض تشير الى التدهور الأمني المقلق الذي يتزايد يوما بعد يوم وهذا التدهور امتد الى المؤسسة العسكرية التي تعتبر الأقوى في مؤسسات الاحتلال وهي المسيطر على جميع فعالياته شاء يوسي ساريد أم أبى، فشارون قد أحاط نفسه بجنرالاته وقادته العسكريين الذين لا يعصون أوامره مما يفسر الخوف الشديد الذي يعيشه سواء على المستوى الشخصي أو الأمني أو حتى أحلامه الابدية في السلطة، حيث كان يقرأ رأي الشارع المتعصب ويمارس دمويته المسيطرة على شخصيته منذ ان كان ضابطا صغيرا في الجيش الاسرائيلي وارتكب مجازره التي لم تنته بصبرا وشاتيلا.ومع كل هذه الحيطة الأمنية وسيطرة العسكر فقد بدأت تتكشف الحقيقة الهزيلة للقناعات العامة وخاصة العسكرية منها، فالبعض أدرك ان الاوامر العسكرية التي يصدرها شارون لا تأتي لخدمة الأمن كما يدعي بل لخدمة أغراضه الشخصية في الحكومة وخاصة من أجل احتفاظه بالسلطة وصراعه مع الأحزاب المتطرفة والأحزاب التي تدعي يساريتها كحزب العمل وزعيمه الجديد الطامح بنيامين بن اليعازر أو العجوز العمالي المتهالك شيمون بيريز أو حتى بنيامين نتانياهو الغائب عن الساحة في العلن والحاضر المتحرك بشكل كبير في السر، وفي هذا المكان تنبه الجنرال بوعز نول رئيس حركة (اليهود لجنود الاحتياط) في الكيان الصهيوني وقال في صحيفة «هآرتس» العبرية معبرا عن استيائه من أوامر شارون العسكرية: «انكم ترسلوننا لنقاتل ولكن يبدو اننا نحارب نتانياهو وغيره وليس أعداءنا.. تعليمات اطلاق النار تتغير بحسب دعم حزب العمل لميزانية الدولة، كما ان عمق السيطرة الميدانية يتحدد وفق مجرى المواجهة التلفزيونية مع نتانياهو». والواقع ان الناظر للأحداث بدقة يدرك هذا الأمر، فشارون يعطي أوامره استنادا الى تقلبات الطقس السياسي السائد داخل الكيان الصهيوني، ولنتذكر ان الاجتياح الأكبر لمناطق السلطة الفلسطينية والتدمير الأشد وحشية كان في فترة فوز رئيس الحرب الصهيوني بنيامين بن اليعازر بالانتخابات لرئاسة حزب العمل، وهذه الاجواء التي راقت لشارون يبدو انها بدأت تكشف الحقيقة المستترة بالرماد في صفوف الجيش الاسرائيلي الذي بدأ بشكل عملي يرفض الخدمة العسكرية خاصة في الأراضي المحتلة عام 1967 مما دفع بعض القيادات الصهيونية لإعلان الخطر من هذه الظاهرة الموجودة أصلاً في هذا الكيان. من يخدم؟ الإعتراض على رفض الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال الصهيوني ليس جديداً، وإذا كانت الانتفاضة الفلسطينية قد كشفت عورته بشكل أكثر وضوحا فإن الحالة العامة للشباب الاسرائيلي هي حالة رفض الخدمة، فقد كشف مدير قسم القوى العاملة في الجيش الاسرائيلي ان 40% من الشباب لا ينهون الخدمة العسكرية وهذه النسبة موزعة تحت أسباب مختلفة، فهناك 10% من طلاب المدارس الدينية الذين لا يخدمون أصلا بقرار من الحكومة وهذا يشجع الشاب الصهيوني على التطرف والذهاب الى المدارس الدينية تهربا من الخدمة، وهناك 10% لا يخدمون لأسباب نفسية وبالطبع فإن هذه النسبة مرتفعة جدا ولا يعقل ان تكون في أي مجتمع من المجتمعات وإن كانت حقيقة فهي تعكس الأمراض النفسية التي يعاني منها الشباب مما يجعل تصديقها أو تكذيبها يعطي مؤشرات خطيرة على الصحة النفسية، ويبقى 20% لا يخدمون لأسباب مرضية أو عائلية أو هم متواجدون خارج الكيان الصهيوني وهذه النسبة ايضا لها مدلولاتها التي ترتبط بطبيعة اسرائيل وتوضح المؤشرات الحياتية التي يعيشها ذلك المجتمع. وفي جانب آخر من الاحصائيات نشير الى ان معدل انتحار الجنود في اسرائيل يبلغ قبل الانتفاضة 30 جنديا في العام الواحد وهذه النسبة تعتبر الأكثر ارتفاعا في العالم وقد ازدادت بشكل كبير منذ اندلاع الانتفاضة ومهما تكن هذه النسب فإنها تشكل أزمة في الدولة العبرية وهي تعترض بشكل مباشر على طريقة الحياة التي يعيشها سواء قبل الانتفاضة أو في مراحلها الحالية التي أفرزت مشكلة جديدة أقلقت اسرائيل وهي الانخفاض الشديد في الهجرة اليهودية الى الكيان الصهيوني وبذلك تقوضت احلام شارون في جذب مليون يهودي خلال عام واحد كما قوضت مشروعه الأمني الذي أعطاه رئاسة الوزراء بل ان هذا الواقع قد فتح عليه النار من الداخل ذاته فلاحظنا في المرحلة الأخيرة الاعتراضات السياسية الشديدة التي كانت واضحة من رئيس الكنيست ابراهام بورج وزعيم حركة ميرتس يوسي ساريد وكذلك اعتراض بعض العسكريين ورفضهم الخدمة والاعتراضات المتكررة من الصحافة الاسرائيلية، اضافة الى الوضع الاقتصادي الذي بدأ ينهار بشكل واضح والمسيرات المعارضة لسياسة شارون التي قامت مؤخرا وبشكل واسع، وبالتأكيد فإن كل ذلك يعكس مستوى الأزمات التي يعيشها هذا الكيان مع الدور الهام الذي لعبته الانتفاضة الفلسطينية في تصعيدها ولا ننسى فشل المشروع الأمني الشاروني الذي قاربته صحيفة «هآرتس» العبرية مع أسباب رفض الخدمة العسكرية حين تحدثت عن رافضيها بالقول: «هم يحملون رسالة بسيطة الى صناع القرار تقول عليكم ان تختاروا بيننا وبين المستوطنات، وهذه الرسالة هامة لأنها كشفت عورة نظرية الأمن القومي لاسرائيل التي ترفض الاعتراف بالاسباب الحقيقية التي قامت اسرائيل من أجلها بالاحتلال عام 1967 وتقول بأن الحروب غير العادلة هي حروب خاسرة سلفا حتى لو كنا من أصحاب القوة» وهذه الاعترافات من جانب الصحيفة لا يمكن ان تتجاهلها الحكومة ولا يمكن ألا يتأثر بها الشارع الاسرائيلي والجيش الذي بدأ يعلن عن سخطه من سياسة شارون ولأسباب واضحة وخفية. ذوبان الثلج أشكال الخلافات التي طغت على الساحة الداخلية للكيان الصهيوني كانت متعددة وبطبيعة الحال فإن هذه الخلافات قائمة منذ زمن بعيد ولكنها الآن ومع حركة الانتفاضة الفلسطينية المستمرة قد أخذت أبعادا جديدة كانت في هذه المرحلة الأخيرة بمثابة الصاعقة الشديدة التي أزالت الجدار الحديدي الصهيوني، وتعتبر أهم قضية في اطار خلخلة هذا الكيان هي قضية رفض الخدمة العسكرية خاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة وهذا المؤشر الذي كان شارون وحكومته يعتبرونه حالات فردية لا يمكن النظر اليها بكثير من الأهمية أصبح الآن المصدر الأكثر قلقا لهم وخاصة بعد العريضة المقدمة من الجنود الذين يرفضون الخدمة بشكل واضح مما دفع رئيس الاركان الصهيوني شاؤول موفاز للاعلان انه سيتخذ اجراءات انضباطية بحق عدد من الجنود والضباط الذين وقعوا على العريضة التي ترفض في محتواها الخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة عام 1967 وهدد بتنحيتهم عن المناصب القيادية. والتساؤل الذي يثار الآن عن أسباب رفض الخدمة يعتبر التساؤل الأكثر الحاحا في الحكومة الاسرائيلية رغم ان بعض العناصر العسكرية الرافضة فقد قدمت تبريرات واضحة للحكومة، فالمجندات على سبيل المثال يرفضن الخدمة خوفا على أرواحهن من العمليات الاستشهادية التي ينفذها الفلسطينيون بينما برره الرجال منهم بأسباب مختلفة منها الرفض الأخلاقي الذي يعارض تنفيذ الجرائم الشارونية الاجرامية ومنها الرفض السياسي الذي لا يرى أي أفق للحل ومنها كما يدعون ان حقهم في المناطق المحتلة عام 1967 غير شرعي ويدعون للانسحاب، ولكن هل هذه المبررات هي الواقع الحقيقي لرفض الخدمة؟ من المفترض هنا ان نقف على الجوانب غير المعلنة لطبيعة الرفض ويبدو ان أول هذه الأسباب الأكثر واقعية هو الخوف الذي اعترفت به المجندات بينما تجاهله المجندون وإن كان بعض مؤيدي الرفض يصرون على الجانب الاخلاقي، كما قال الجنرال الاحتياطي «عامي آلون» عن أولئك الجنود الذين يرفرف فوقهم علم أسود. وتابع القول: «هناك الآن من وجهة نظري أسباب لرفض الأوامر العسكرية فمثلا عندما يطلقون النار على شاب غير مسلح فإن هذا الأمر غير قانوني وبشكل واضح، وأنا قلق من الاطفال الفلسطينيين الذين قتلوا العام الماضي». ويبدو ان الاجابة عن هذا القلق غير الحقيقي قد تنبه اليه الكثير من المحللين السياسيين في الصحف العبرية، فقد قال «ايتي لاندسبرج» في صحيفة «يديعوت احرونوت» العبرية عن رفض الخدمة: «لم أر الرافضين حتى الآن يطالبون بتقديم مجرم واحد الى المحاكم بارتكاب جريمة حرب.. لقد فضلوا النأي بأنفسهم عن مناطق القتال والإعلان عن الرفض وهذا الرفض سياسي وليس أخلاقيا». ولكن المقال لم يوضح حتى الأسباب الحقيقية للرفض السياسي واعتبر انه مرتبط برفع علم أسود فوق المؤسسة السياسية الديمقراطية عن طريق رفض الخدمة! ولكن من الواضح ان هناك أسباباً كامنة ومختلفة لرفض الخدمة التي جيرت هذا الرفض الى الجانب السياسي ويمكن قراءتها بشكل واضح من خلال صراع الاحزاب على ساحة الكيان الصهيوني والتي برزت بشكل واضح في الآونة الأخيرة رافضة شخص شارون الذي لم يحقق أدنى حالات الأمن التي وعد بها اضافة الى الطموح السياسي في قيادة الحكومة من التيارات المختلفة سواء في حزب العمل أو في حزب الليكود الذي ينتمي اليه شارون، وهنا فإن الاحزاب قد شجعت عناصرها بالجيش لرفض الخدمة ليس مخافة من الفلسطينيين كما ادعى البعض وليس عن عدم القناعة بالأعمال التي يقوم بها الكيان الصهيوني أو عدم الاعتراف بشرعية الاحتلال في الضفة والقطاع، كما ادعى البعض الآخر وإلا لماذا لم تظهر هذه «النخوة المفاجئة» الكاذبة بالتأكيد الا في هذه المرحلة بالذات وبعد ان يئس شارون من تنفيذ مشروعه الأمني كما يئست الاحزاب المعارضة من شعبية شارون المتزايدة في الشارع الاسرائيلي فكانت حركة رفض الخدمة التي ظن الطرفان انهما سيستفيدان منها في النشاط السياسي المقبل، وهذا الواقع تؤكده المسيرات الاسرائيلية التي اندفعت فجأة لتعارض سياسة شارون في الضفة الغربية وقطاع غزة ولكن بعد ان قام ما قام به من مجازر وبمختلف أنواعها ضد الشعب الفلسطيني الذي ينام ويصحو إما في العراء أو تحت قذائف شارون التي لا تتوقف مما يؤكد ان أي اعتراض على شارون أو حكومته ليس الا موقفاً سياسياً له أبعاده الخاصة والداخلية وليس نخوة فجائية حطت على هذا الاحتلال الذي لم يتوقف عن مجازره منذ نشأته الدموية. ـ كاتب فلسطيني