كان ضوء الشمعة المغروسة ـ وحيدة ـ بعناية وسط كعكة عيد الميلاد يقاوم الانطفاء، وأجساد المحتفلين تمر من حوله محدثة موجات من الهواء بعضها هادئ وبعضها الآخر أقوى من أن تتحمله شعلة شمعة بالكاد تظهر منها سنتيمترات قليلة تضيء دائرة صغيرة حولها بانتظار أن تهب عليها ريح نفخة خفيفة من طفل يحتفل بإغلاق ملف العام الأول من عمره وفتح ملف العام الثاني، وتقف إلى جواره أفواه كثيرة كلها على أهبة الاستعداد لمساعدته فيما لو فشلت المحاولات الأولى والثانية والثالثة في إخماد ضوئها الضعيف المتراقص على استحياء وسط أضواء القاعة التي ستطفأ كلها عندما تحين اللحظة التي يعد لها الجميع وينتظرونها بلهفة عدا صاحبنا الذي لا يعي ما يدور حوله. تسقط إحدى البالونات المعلقة في السقف وتأخذ طريقها باتجاه الشمعة فتسارع أكثر من يد لالتقاطها قبل أن تصل إلى اللهب المتراقص فتنفجر وتحدث دوياً ربما أفزع نجم الحفلة الواقف في كامل أناقته مبهوراً بما يرى فيؤدي ذلك إلى انطلاق صراخه وإفساد الجو على المحتفلين الذين استعدوا جيداً لهذه المناسبة وحشدوا لها كل أسباب النجاح بعد أن ترقبوا حلول موعدها أياماً يخططون للكيفية التي سيخرجونها عليها. كان عمل شيء غير عادي لكسر الإطار التقليدي الذي جرت عليه العادة في الاحتفال بمثل هذه المناسبات ـ التي طالما تحفظتُ على فكرتها واعتبرتها دخيلة على مجتمعاتنا ـ من الأمور التي شغلت تفكير عدد من أفراد الأسرة، وقد طُرحت أفكار عدة كان مصير بعضها الاستغراب الذي وصل إلى درجة الاستهجان في بعض الأحيان، أما اختيار الملابس التي سيرتديها صاحبنا فقد ظل محور خلاف بين اتجاهات متعددة لتسند المهمة في نهاية الأمر للأخت الكبيرة، أما العقبة الوحيدة التي كانت تحول دون اكتمال صورة العريس متمخطراً بين المحتفلين بملابسه الأنيقة أيّاً كان شكلها فهي أنه لم يكن قد بدأ بعد الاعتماد على نفسه في المشي، فهو بالكاد يخطو متراً أو اثنين مستعيناً بيد يمسك بها متشبثاً بإحدى يديه بينما يحاول البحث عن شيء آخر للإمساك به باليد الأخرى زيادة في الحيطة.. وكانت الجهود تبذل حثيثة لتعليمه المبادئ الأولى للمشي قبل حلول هذا اليوم، وقد أثمرت عن بضع خطوات يحاول أن يُثبت بها جدارته وقدرته على الاعتماد على نفسه، غير أن الإعياء سرعان ما كان يحلّ به فيتعثر ويقوم بإكمال المشوار القصير حبواً إن لم يجد إلى جواره ما يسعفه من أطراف الكراسي والطاولات وكل ما يقع في متناول يده من أشياء مرتفعة عن الأرض. كان يفترض ـ وأنت واحد من مكونات المشهد ـ أن تكون منغمساً فيما يجري حولك منشغلاً في إصلاح جزء من الزينة وقع هنا أو تحريك طاولة هناك، إلاّ أنك تغادر ذلك كله وتنفصل عن الصخب اللذيذ المحيط بك لتذهب بعيداً.. تعود بك عجلة الزمن إلى الوراء لتتأمل ماضياً لا تريد عدّ سنواته التي تعرفها جيداً حتى لا يصدمك العدد فتتساءل: كيف مرت سريعاً هكذا؟ وتتطلع إلى قادم لا تعلم عدد أعوامه فتحمد الله على ذلك وتعد جهلك هذا نعمة عظيمة. تنبش في الذاكرة المستعصية على مؤشر البحث عن اللحظة الأولى التي استطعت أن تدرك فيها ما يدور حولك.. عن الصورة الأولى التي التقطتها عدسة العين.. عن الخيط الأول الذي تسلل عبرها ليضيء نقطة هناك في موقع ما من الرأس لينسج أول أردية المعرفة. تتفتح أبواب الذاكرة الصدئة على الوجوه الأولى التي أوصلتك بأمان إلى شاطئ الحياة، وعلى وجوه سبقتك وأخرى لحقت بك إلى ذلك الشاطئ فرافقتك وشجعتك على ارتياد مرافئ أخرى.. تتذكر كم كنت بريئاً.. وكم كانت تبهرك الأشياء.. وكم كان الأفق فسيحاً يمتد أمامك لا ينكسر البصر إذا ما أرسلته إليه. تحاول أن تتذكر حجم الآمال التي بدأت بها رحلتك، وسذاجة الأحلام التي أودعتها مخيلتك، وعدد القصور التي بنيتها من الرمال مؤمناً بأن الطموح حق مشروع للجميع لا يستطيع كائن من كان أن يسلبك إياه. وتعود لتحصي عدد الحقول التي زرعتها فأينعت أشجارها وطرحت ثماراً.. وعدد الأشجار التي يبست وتساقطت أوراقها.. وعدد طواحين الهواء التي توقفت عن الدوران لأن الرياح لم تكن مواتية أو تحطمت بفعل العواصف التي هبت عليها.. وعدد الروافد التي جفت فلم تعد تصبّ في نهر حياتك.. وكمية الأمطار التي تهاطلت لتعيد التوازن إليه.. وأشياء كثيرة تزدحم في رأسك فلا تعود قادراً على ترتيبها الترتيب الزمني الصحيح وإن كان ذلك غير مطلوب أو ليس بذي أهمية في لحظة التكثيف هذه. تغادر تلك المرحلة لتمر أمام عينيك تباعاً آلاف الصور فيها كل حصاد العمر.. بما حملت أشجارك من شوك وزهر.. وما طرحت من ثمر حلو ومر.. فتدرك أن كل ذلك قد غدا تاريخاً هو في الحقيقة كل حياتك حتى هذه اللحظة ومخزونك الذي تغرف منه لتستعين به على أيامك المقبلة.. صحيح أنك لا تملك أن تغيّر منه شيئاً، ولكنك تستطيع أن تأخذ منه العبرة، وأن تشعل منه آلاف الشموع تضيء لك تلك الأنفاق التي أنت مقدم على عبورها، وترسم لك معالم الطرق التي ستسلكها فيما تبقى لك من رحلة الحياة.. ثمة أمر في غاية الأهمية لا يمكن لك إلاّ أن تضعه على رأس كل ذلك في هذه اللحظة بالذات.. وهو أن تجمع خلاصة رحلتك بكل ما فيها من الهضاب التي ارتقيتها والوديان التي هبطتها، وأن تقدم كل ذلك إلى هؤلاء الذين تطفئ لهم كل عام شموعاً وتوقد شموعاً تتمنى ألاّ يتوقف عدّها لأنك تدرك جيداً أنهم أروع ما غرست في بستان الحياة.. وأجمل ما سقيت من وروده.. وأطيب ما جنيت من ثماره. تؤوب من رحلة الإبحار في الزمن تلك على أصوات تطلب منك الانضمام إلى المحتفلين للحظة الذروة.. تنظر إلى ذلك المحتفى به يوزع نظراته واندهاشه على المنتظرين منه إطفاء الشمعة التي خفت ضوؤها وتناقص طولها فتعيش اللحظة التي اختزلت سنوات عمرك كلها، ولا تملك إلاّ أن تصبح أسيراً لابتسامة طفل تحمل كل معاني الطهر والبراءة والأمل الذي ما فتئ هو الرافد الأول الذي يغذي نهر الحياة.. وتتأكد ساعتها أنهم وحدهم الأبناء من يحفظ للنهر جريانه.. فهم الذين يمنحوننا القدرة على مواصلة الرحلة، ويجعلوننا نشعر بأن لحياتنا فائدة ومعنى.