هل يشهد هذا العام احلال السلام في السودان نهائيا بوساطة أمريكية؟ مدى نجاح الادارة الامريكية في مسعاها نحو وقف الحرب في جنوب السودان يعتمد بصورة اساسية وحاسمة على مدى تغلبها على «لوبي» مسيحي داخل الكونجرس الامريكي يؤيد ويدعم حركة التمرد الجنوبية ولا يرى سبيلا لتحقيق تسوية سياسية الا عبر انتصار عسكري حاسم للحركة أولا. طوال الشهور القلائل الاخيرة ظلت الانظار مركزة على السيناتور الامريكي جون دانفورث الذي عينه الرئيس بوش مبعوثا خاصا الى السودان. وقد اقترح فورث في اتصالاته مع كل من الحكومة السودانية وحركة قرنق نقاطا اجرائية «مثل وقف اطلاق النار في منطقة جبال النوبة أولا ثم المسرح الرئيسي للحرب في الجنوب لاحقا» تمهيدا لمرحلة الشروع في وضع الحل السياسي. فما هو تصور المبعوث الأمريكي للحل السياسي؟ يرى دانفورث ان التسوية المثلى يجب ان تكون في اطار وحدة السودان بموجب معادلة اطلق عليها «دولة واحدة ونظامان».. اي صيغة فيدرالية فضفاضة لنظامي حكم: نظام اسلامي في الشمال ونظام علماني في الجنوب. ومعنى ذلك ان الادارة الأمريكية تستبعد تماما فصل الجنوب. ووفقا للصحافة الامريكية فان ادارة بوش توصلت الى قناعة استبعاد الانفصال كاستجابة لطب الحاحي في مصر. والمعلوم ان القاهرة تعارض من حيث المبدأ أي اجراء يمكن ان يؤدي الى تعدد الدول التي تتقاسم مياه نهر النيل وفروعه. لكن السؤال المطروح هو: اين بالضبط يقف المبعوث جون دانفورث في معمعة الصراع الداخلي الامريكي الدائر بين ادارة بوش من ناحية واللوبي المسيحي ومؤيديه في الكونجرس فيما يتعلق بجنوب السودان؟ ظاهريا، وحتى الآن، يبدو ان دانفورث بأجندته التي تدعو الى وقف الحرب واحلال السلام يمثل الخط الرسمي للادارة. لكن هناك احتمالا بأن اختياره لمهمة السودان تم على أساس مساومة بين ادارة تسعى لوقف الحرب ولوبي مسيحي متشدد يرى استمرارها.. مما يجعل بالتالي تحرك دانفورث مضطربا ومتأرجحا بين أجندتين متناقضتين تماما. ويعزز من رجحان هذا الاحتمال ان دانفورث، بعد خمسة شهور من اعلان تعيينه رسميا، لا يزال تحركه محصورا تماما داخل اجراءات فنية وثانوية دون أن يلج المرحلة الحقيقية للتفاوض السياسي الجاد مع طرفي النزاع السوداني. مارس المقبل سوف يكون وعدا حاسما ومصيريا لمهمة المبعوث الامريكي. وعندئذ سوف نعرف ما اذا كانت المهمة ناجحة أو فاشلة. وأهمية هذا الموعد تتمثل في استحقاقين. أولا تنتهي المدة الزمنية لمهمة المبعوث المقررة سلفا بواسطة الرئيس الامريكي. ثانيا، سوف يعرض اللوبي المسيحي على الكونجرس ما اطلق عليه «مشروع قانون سلام السودان». وسوف نعرف ما اذا كان الكونجرس سيجيز هذا المشروع فيصبح قانونا أم لا يجيزه. اذا تحول هذا المشروع الى قانون فانه سوف يكون بطبيعة الحال ملزما للادارة الامريكية. واذا صار ملزما فان ذلك سوف يعني ان تنقلب السياسة الحالية المعتمدة للادارة نحو الحرب في جنوب السودان رأسا على عقب. فمشروع القانون ينص أولا على ان تلتزم الولايات المتحدة رسميا بتقديم الدعم العسكري وغير العسكري الى حركة قرنق، مما يؤدي بالتالي الى تأجيج الحرب وتصعيدها، وثانيا ان تقرير الادارة فرض عقوبات على أي شركات نفطية امريكية تتعامل مع المشروع النفطي السوداني. وفي هذه الحالة فان انتصار اللوبي المسيحي الامريكي على هذا النحو سوف يعني أن تتخذ الحرب في جنوب السودان بطريقة سافرة ومعلنة طابع غزو مسيحي صليبي ضد الشمال المسلم. ولننتظر لنرى.