ذريعتهم «الاعتراف بالحق فضيلة» وحجتهم الخروج من عالم اللامعقول والانتقال إلى منطقة المعقول ومساحة الموضوعية التي يتهم العرب دائماً بأنهم بعيدون كل البعد عنها. هؤلاء هم أنصار مبدأ «التوسل» للولايات المتحدة حتى تتكرم وتتعطف علينا وتتدخل للتوسط لدى الإسرائيليين حتى يخففوا من هجمتهم القاسية وعصرهم للفلسطينيين. انهم يعترفون بأن التوسل أمر صعب على النفس، لكنهم يرون أنه لا بديل سواه في ظل حالة العجز العربي التام في الوقت الراهن. لكن الموضوعية التي يتخذها هؤلاء ستاراً تفرض عليهم إدراك حقائق عدة بادية بوضوح أمام العيان. بين هذه الحقائق انه منذ بدء عمل الإدارة الأمريكية الجديدة فقد أريق الكثير من الحبر على الأوراق وتجمدت الدماء في الوجوه من كثرة ما تعرضت له من إحراج وخجل، وبحت الأصوات في المناشدة والتمني فلم يتحرك أحد واستمرت حمّامات الدم الفلسطينية. ولن تبذل الإدارة الأمريكية أي جهد للضغط على كيس القطن الإسرائيلي شارون حتى يتعطف علينا هو الآخر ويعود إلى طاولة المفاوضات. يجب على هؤلاء أن يعوا أنه لا طائل من أية مناشدات مكتوبة أو توسلات شفوية أو زيارات دورية لواشنطن، فالولايات المتحدة تبقى ضامنة ومتيقنة ـ الآن على الأقل ـ لعدم وجود أي تهديد لمصالحها بالمنطقة لتنافي أي خطر على أمن إسرائيل. والدبلوماسية الأمريكية في المنطقة التي تتماهى فكرياً وأيديولوجياً مع الأفكار الاسرائيلية في ظل التزاوج الكامل بين اليمين الأمريكي ونظيره الاسرائيلي لا يغيرها الوقوف بأعتاب البيت الأبيض لتسول المساعدة الأمريكية في تحريك الأمور بالمنطقة. بعثات وراء بعثات تتسربل بالانهيار والهوان تيمم وجهها صوب البيت الأبيض في محاولة يائسة بائسة لإحياء «سلام الشجعان» إياه من مواته وإيقاظه من ظلمات مبادرات تنتقص الواحدة تلو الأخرى من سقف المطالب حتى بات المعروض يتآكل ليصير إلى لا شيء في النهاية التي يُراد لها عنوان هو «السلام مقابل السلام» مع احتفاظ كل طرف بموقعه إن أمكننا ذلك. ليقل لنا هؤلاء ما الذي جنيناه من هذا الطريق. فقد هرول من هرول ووقع من وقع في هوة لا قاع لها ولا قرار، وعدونا بالراحة والسمن والعسل، فلم نحصد على أيديهم سوى الهم والحزن وضيق العيش. فكفاكم هزلاً ولتسيروا خلف من يمكنهم أن يوقظوا ذاكرة الأمة ويبتعدوا بها ولو شبراً عن حالة الإذعان لشرعية الطاغوت، تلك الشرعية التي تفرض علينا أن نعطي إعطاء الذليل ونقر إقرار العبيد. وحدهم هؤلاء الجديرون بأن يتكلموا بصوت عالٍ بينما ينصت الآخرون. والصوت لابدّ أن يعلو ما دامت هناك قضية عادلة وحق يقابل باطلاً فيدحضه. حتى الموت حينها سيكون غالي الثمن، ويوصل الأرض بالسماء. وعندها ستكون التضحية ذات قيمة حتى ولو كانت الأمة مثلها مثل القطيع التائه. لكن التوسل والتسوّل ليسا هما الوسيلة الوحيدة لجمع هذا القطيع.