أكثر حكايات الحب عصياناً على النسيان، تلك المشرقة من أقاصي الطفولة، إذ نستطيع وقتما نشاء إعادة رسم مشاهدها وتفاصيلها، فيما تتلاشى محطات عديدة من أحداث حياتنا مع تقادم الزمن. منذ ثلاثة عقود، كنا لا نزال في المرحلة الابتدائية. كان بيننا في الصف الدراسي مجتهدون وكسولون، مشاغبون وهادئون، لكن ثمة من كانت تشغل الجميع على حد سواء، زميلة لنا لا أذكر الآن ماذا أصبح عليه جمالها الذي خطف ألبابنا في ذلك الحين. كان كل منّا يرسمها في مخيّلته وعلى دفتره، ويدّعي امتلاك قلبها، حتى وصل الأمر بالبعض للاشتباك فيما بينهم خلال فترات الاستراحة، ولا أنسى حين استدعانا ناظر المدرسة وانهال على أيدينا ضرباً بقضبان من شجر الرمان جلبناها من حدائق بيوتنا خصيصاً لحفلة العقاب الجماعي. بعدها، لم يعد أحد من الصف يجرؤ على التقرّب قيد أنملة من الزميلة ذات الجمال الآسر، الى أن جاء أحد أترابي يوماً وطلب منّي كتابة رسالة حب لها، فلبّيت طلبه، وسكبت على ورقة من أحد دفاتري كل عواطفي الدفينة نحوها. ولشدة اندفاعي، وافقت أيضاً على ايصال الرسالة بنفسي.. فكنتُ الكاتب وساعي البريد والعاشق المجهول! حين وقفت قبالتها، وقدّمت لها الورقة التي لم أشأ تغليفها، أدركت الصغيرة انني كاتبها وليس صديقي الذي تعرفه كسولاً، وبادرتني بصفعتين من يديها الناعمتين، لأنها اكتشفت انني أمارس الغش بحق نفسي، وشعرت بإهانتي لها بعدما سلمتها رسالة حب من تلميذ فاشل. بكيت يومها إذ كانت المرة الأولى التي أصفع فيها، فقد كنت معروفاً بهدوئي ومواظبتي وانضباطي في البيت والمدرسة معاً. بعد سنوات طويلة على تلك الحادثة التي لا تمحى من ذاكرتي، شاهدت فيلماً سينمائياً، أعادني الى أجواء تلك اللحظات الغابرة. كان المشهد يجمع ثلاثة: شاعر مرهف وارستقراطي نبيل في حديقة القصر، وقبالتهما فتاة في غاية الجمال تقف على شرفتها، كان الشاعر مختفياً بين أغصان الأشجار يبث للحسناء أعذب الكلام والشعر نيابة عن «النبيل» الذي استعان به ليعبّر عن مكنوناته لفتاة أحلامه. غطّت ظلمة الليل قليلاً على صمت «النبيل» ورومانسيته المستعارة، فيما كان الشاعر الذي لم يكن على وسامة وجاه يمطر الحسناء بعبارات الحب والاشتياق. وفي قرارة نفسه كان يقصد جيداً ما ينشده من أشعار في حبيبته بعيدة المنال. وحدث أن التقى «النبيل» بالحسناء الجميلة، وكان إرباكه واضحاً، لا يلوي على قول شيء، وكل ما نبست به شفتاه بعض المفردات المتلعثمة، جعلته منكشفاً أمام حبيبته التي علمت بعد حين بهوى الشاعر المجهول وافتتانه بها. ربّما تحدث تلك القصص في أي زمان ومكان، واستحضارها ليس سوى مجرّد تذكير بقيمة الحب الأصيلة وبطبيعته الغامضة والمتناقضة التي تشبه الحياة نفسها بما تضم من مفارقات ومصادفات، هذا الحب الذي سيفقد معناه الحقيقي حتماً اذا كان قائماً على الزيف ومنطق البيع والشراء. وإن كنت لست مثل بقية المحتفلين بتراجيديا العاشق «سان فالنتين»، وفي ظنّي أن الحب لا يمكن اختزاله بحدث تاريخي أو يوم بعينه وجعله أسيراً لشخصية محددة، فإنني سوف أنأى عن هذا الطقس الذي يُشعرني بمدى تغلغل النمط الاستهلاكي في أسمى المعاني الانسانية، بعدما أضحت الورود والقلوب وبطاقات المعايدة بكل ما ترمز إليه في الوجدان مجرّد سلع في واجهات المتاجر. وأكثر ما يثير العجب، هو فضح هذه القيمة النبيلة النابعة من انبثاق عاطفي جوّاني يهوى الاقامة في الداخل، وكثيرون ربما يجهلون ان امتهان الحب انما يكمن في تسليعه والاتجار به.