ينام إنسان هذا الزمن ويصحو على واقع متغير لاهث، واقع آلي لا يعير العواطف والمشاعر الإنسانية الدافئة أي اهتمام.. واقع لا يقف عند الدموع أو الانهيارات العاطفية، بل يتعداها إلى لغة البزنس والمصلحة في دوامة متواصلة تكاد لا تقف عند نقطة أو حرف أو جملة ثائرة. ومن هنا تصبح القصة الرومانسية الحارقة حدثاً مهماً بعد أن كانت واقعاً معاشاً.. ويصبح أبطالها فرساناً في زمن لا يعترف بالبطولات التي تتحول إلى أساطير، ولكنهم فرسان الحدث الخبري الذي يشتعل إلى حد الحريق وينطفئ هكذا دون أسباب! وفي واقع كهذا تتسيّده المصلحة والعلاقات المشتركة يقفز سؤال حائر.. هل انتهى زمن الرومانسية، وإلى أي حد يبقى إنسان هذا الزمن مقاوماً لهذا الواقع المادي المسيطر على تفاصيله الداخلية؟ كنا وحتى سنوات ليست ببعيدة ننبض بتلقائية المواقف والمشاعر والدواخل فترتسم على وجوهنا صافية دون زيف أو مساحيق أو أقنعة، وتنساب متدفقة، عفوية، لا ترتدي معطف المصلحة أو عباءة النفاق. وقبلنا كانت هناك ملايين الحكايات العربية الدافئة والقصص الساحرة وآلاف من الكتب والأوراق وملايين من القصائد والأشعار النابضة والتي يقف أمامها إنسان اليوم مذهولاً لشفافيتها وعمقها وسلاستها وعذوبتها. وإذا كان الإعلام في هذا العصر يرمي لنا بعضاً من فتات الشعراء والعشّاق فإن الشعر والشعراء في أزمنة ماضية رصدوا لنا تاريخاً عميقاً أصبح اليوم مرجعاً أساسياً نقتفي من خلاله آثارهم وفنهم وأدبهم وعشقهم وتواصلهم مع الآخرين. كان الشاعر يقول أكاذيب جميلة، ينام ملتحفاً السماء، يحلم بنجومها، يهيم على وجهه في الخلاء، يسرح مع خيالاته، وتتحول حياته إلى تراجيديا محزنة بحثاً عن عيون حبيبته، ورغم ذلك لا يجد هذا الثائر على نفسه المطيع لصوت قلبه إلا التسويف والمواعيد التي لا تتواصل والآمال الضائعة والنظرة الخجلى دون أن يطفئ نار عشقه. وتأخذنا كتب التراث إلى أوراقها وأسرارها وحكاياتها، فهذا أحدهم يسأل رجلاً، ممن أنت؟ فيجيبه: من قوم إذا عشقوا ماتوا!، وذاك آخر يسأل عروة بن حزام العذري صاحب عفراء: أصحيح ما يُروى عنكم من أنكم أرقّ الناس قلوباً؟ فيجيبه: نعم والله، لقد تركت ثلاثين شاباً قد خامرهم الموت وما لهم من داء إلا الحب. لقد غاب العقل تماماً في ظل هذه الرومانسية المهلكة وانعدمت الرؤية أمام العيون العاشقة الحالمة واستغرق صاحبها في بحر من الخيال معتقداً أنه درب سهل ولين مملوء بالفل والريحان والياسمين. ومن أجل الحب يتنازل الشاعر عن تفاصيل كثيرة، وأهمها العقل، فيبني قصوراً عالية في الهواء أو يعيش هكذا دون دراية بمن حوله.. الذي يعرفه فقط ويريده أن تدق قصائده أبواب الحبيبة أو تدخل دون استئذان طالبة منها الصفح والغفران عن ذنب لم يقترفه أبداً.. وها هو ابن زيدون شاعر الأندلس المثير حين أشاحت عنه ولاّدة بنت المستكفي بوجهها، وأدرك أن شيئاً في داخله بدأ يسقط ما لم ينقذه قال مخاطباً إياها: «إنني يد أدماها سوارها، وجبينُ عضّ به إكليله». هكذا ارتمى الشاعر بين يدي الحبيبة واستسلم لكل مطالبها وشروطها، ودفعته رومانسيته إلى التساقط الحزين كورقة توت في الخريف لإرضاء غرورها.. التزم بأخلاق الفرسان وعبّر عن عواطفه في إطار الواقع والقيم الاجتماعية المحيطة، فلم يتم بين العاشق والمعشوق وصلُ أو لقاء حسي، لذلك لم يلطّخ ثوب الغزل بنزوات الجسد. لقد ظل الشاعر العذري يعبّر عن حسرته وعذابه من خلال قصائد شجيّة عاصفة يرددها فم الزمان، تعكس ما يكتنف نفسه ولواعجه من نقاء وطهارة وحسرة ولوعة، فلربما يرى معشوقته ولو مرة واحدة في حياته، فيعقد مع الجمال الرائع والتفوق الأسطوري صلات عاطفية لا تنقطع ويملأ الحياة نشيجاً، ويحتفل بمعشوقته مع إطلالة كل قصيدة. إن عيونه ترى صورة فيتأملها، ويستشف ما وراءها، فيغرق حباً في الروح الملائكية، يستضيء بنورها الوهّاج، وينتهي إليها، وفي ذروة المعاناة والألم يبكي على أطلالها ويشكو للزمن حاله.. وها هو جميل بثينة أحد فرسان هذا الفن يقول: وإني لأرضى من بثينة بالذي لو أبصره الواشي لقرت بلابله أي لو أبصر الإنسان العذول ما يتمناه الشاعر من حبيبته لاستراحت عيونه وغنى وفرح لأنه لم ينل منها شيئاً. هكذا يظل الشاعر العذري أجمل الشعراء وأنبلهم لأنه بعيد عن الإسفاف والنظرة الحسيّة للمرأة، يتصف بالعفة ويترفع عن كل ما يخدش الحياء ويثير الغريزة، لذلك تراه يعانق لحظات الألم بلذة مطلقة ويدوس على الشوك حتى لو أدمى المسير قدميه.. فالحبيبة نجمة في السماء، وعتابها مطر رقيق يغسل الأحزان ليعود القلب أكثر اتساعاً والوجه أكثر إشراقاً، فيسقط التعب الذي يزور القلب عندما تحاصره الدنيا فلا يجد إلا مخرجاً واحداً يسلكه وينجح.. إنه الشعر الذي يدخلنا هكذا دون أبواب وحُراس ويأسرنا دون قتال وموت وأسلحة.