استخدام الإعلام في الخطاب القومي والإسلامي.. الضرورات تبيح المحظورات، بقلم: عبد الكريم محمد

يتعرض العالمان العربي والإسلامي، اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى حملات إعلامية ثقافية تتصف بدرجات عالية من التنظيم والشمولية. بحيث اعتمدت هذه الحملات الإعلامية على فعالية وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، في عملية غزو شامل على فضاءات مفتوحة دونما سيطرة أو ترشيد، بإدخال البشرية بمعزل عن الأيديولوجيات التي تحكمها، إلى عصر حضارة الصورة والتلاعب بالزمان والمكان .وأصبح الإعلام ، خاصة المرئي منه، هذه الأيام ليس رافداً من روافد الوعي البشري العام وحسب، بل أداة حادة تستخدمها القوى العظمى من أجل حشد الرأي العام الدولي بغية شرعنة سلوكها، بصرف النظر عن هذا السلوك وأهدافه ومراميه وخلفياته. بكلام آخر أصبح الإعلام سلاحاً هاماً ينوب في أغلب الاحيان عن الخطاب الايديولوجي، فقد رأى هربرت شلر: «أن السيطرة على البشر وعلى المجتمعات تتطلب في الوقت الحاضر وقبل أي شيء الاستخدام الموجه للإعلام، فمهما كان جبروت القوة التي يمكن استخدامها ضد شعب ما، فإنها لا تفيد على المدى البعيد، إلا إذا تمكن المجتمع المسيطر من أن يجعل أهدافه تبدو مقبولة على الأقل، إن لم تكن جذابة، بالنسبة لهؤلاء الذين يسعى لإخضاعهم، فالحالة الشعورية لسكان بلد ما لها دورها الملموس في تحديد سلوكهم الاجتماعي ونهجهم الثقافي. أبعد من ذلك، فقد تشكلت في مدن الإعلام الرئيسية، خاصة المتواجدة في الولايات المتحدة الأمريكية، مناطق خاصة يمارس فيها الاتصال الجماهيري تأثيراً بالغ الفعالية، وتتمثل في خلق رأي عام فيما يتعلق بالقضايا الجديدة، وأعني بالقضايا الجديدة تلك القضايا التي لا يملك الفرد حولها رأياً محدداً، كاتهام الأمتين العربية والإسلامية بالإرهاب، بمعزل عن المطالبة بتعريف الإرهاب والدوافع الكامنة وراء ممارسته، بعد أحداث 11سبتمبر على سبيل المثال لا الحصر. بينما يفتقد الإعلام العربي والإسلامي، إلى مثل هذه المدن، بحيث نجد أن الإعلام المهيمن هو إعلام السلطة المرتكز إلى خطاب أيديولوجي، بل أكثر من ذلك إلى إعلام أشبه بالإعلام الستاليني الذي برز للعلن في مستهل منتصف القرن الماضي، والذي يتصف بالأحادية، في ظل مرحلة متغيرة تحتاج إلى تنوع الخطاب الإعلامي لمواكبة التحولات العالمية المتسارعة، والإعلام المعولم الذي يؤسس إلى بناء نظام دولي معولم، «يقفز على الدولة والامة والوطن، وبالتالي فانه يعمل على التفتيت والتشتت وإيقاظ أطر الانتماء إلى القبيلة والطائفة والجهة والتعصب بعد أن تضعف إرادة الدولة وهوية الوطن». لكن قبل الإبحار في توصيف الأشياء والمهمات التي تقع على عاتقنا كأمة، لا بد من التساؤل، هل سنبقى نتجاهل نفوذ الإعلام الحديث، بالقفز فوق ثورة الاتصالات الحديثة وتأثيراتها على الرأي العام بخطاب محدود بائس ؟ أم أننا سنشرع بتوجيه خطاب إعلامي، بهدف مواجهة التحديات ؟قبل الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها، لا بد من الاعتراف أن الإعلام العربي ـ الإسلامي، لا يزال في حيز الخطاب الداخلي، الذي ينتج ذاته بأسوأ صورها، على العكس تماماً من الإعلام الغربي، ذي الاتجاهين الداخلي والخارجي، مع الأخذ بعين الاعتبار ابتعاد العملية الاتصالية عن المباشرة والآنية إلا في القضايا المصيرية للإنسان والمجتمع، لذلك فإن تأثيرها في الأحوال العادية لا يحتاج إلى مدى زمني نسبي، حيث إن عملية الاقتناع تأتي ببطء، وحتى في وجود الموقف المشجع من جانب الجمهور فإنه لا بد من أن تنقضي فترة اختمار قبل أن تنال الرسالة الاتصالية قبولاً عاماً بين الناس، على الرغم من أن هذه الفترة قد تطول أحياناً، إلا أن حتمية الانتشار مسألة لا تقبل الجدل .على العكس من ذلك، فقد دأب إعلامنا على طرح القضايا دفعة واحدة مما أوقع الجمهور في حالة من العجز عن متابعة القضايا المصيرية، بما في ذلك الأخطار التي تحيط به، بصرف النظر عن حجمها وخطورتها .ففي هذا الجانب رأت الباحثة الفلبينية فليتسيانو أن «التأثير المتوقع لا يحدث دفعة واحدة فهو يمر عبر مراحل مختلفة، فيكون معرفياً في مرحلته الأولى، ثم اتجاهياً في مرحلته الثانية، ثم سلوكياً في مرحلته الثالثة، وهو في مراحله الثلاث لا يكون ناجحاً تماماً، كما أنه لا يكون فاشلاً تماماً، ولكنه يتراوح بين الفشل الجزئي والنجاح الجزئي». أما الأخطر من ذلك فقد توجه المسئولون عن المؤسسات الإعلامية في العالمين العربي والإسلامي، إلى إدراج إعطاء الأهمية لتحسين البنية التقنية لوسائلهم، تقليداً للمؤسسات الإعلامية في الغرب، وإغفال الحاجة إلى بناء البنية البشرية وضرورة تحسينها، فبينما نجد أحدث الأدوات الإعلامية وأسرعها في هذه الدول مجتمعة، نجد تخلفاً واضحاً في التدريب والتعليم في مجال الإعلام .وهنا يكمن أحد الأسباب الاساسية لتخلف القطاع الإعلامي في هذه الدول، إذ انه لا مجال لتوجه هذا القطاع نحو خدمة أهداف مجتمعه عن طريق إيجاد البنية البشرية القادرة على المساهمة في وضع خطط إعلامية وسياسيات صائبة بعيدا عن الخطابة والارتجالية. بعيداً عن المقدمات الطويلة، لا بد من القول، عطفاً على ما تقدم، أننا دخلنا في حيز التنافس مع الآخر المتفوق علينا تقنياً، في مضمار الإعلام والخطاب الإعلامي، وأنه بات مطلوباً اليوم أكثر من أي وقت مضى، الأخذ بعين الاعتبار مقولة الضرورات تبيح المحظورات، على محمل الجد بصرف النظر عن الأيديولوجية التي تحكم هذا المجتمع أو ذاك، وهذا يتم عبر استحضار خطاب إعلامي مواز للخطاب الإعلامي الغربي، الذي يتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان، والشرعية الدولية، انطلاقاً من ذات المفاهيم وذات الأسس، بهدف رد الهجمة الإعلامية أولاً، وأنسنة الخطاب الجماهيري الموجه للداخل ثانياً، حتى نخرج من حالة الفصام والعزلة التي لا نزال نبحر في غياهبها. فعلى سبيل المثال ان خطاب حكومة طالبان في أفغانستان المتطرف، وما حمله من تأثيرات سلبية على واقع الأمة الإسلامية، يلتقي بشيء أو بآخر مع واقع الخطاب الفلسطيني الرسمي في الالتزام بأضعف قرارات الأمم المتحدة الخاصة بحل القضية الفلسطينية، باعتبارها مشكلة وحسب، مما أوقع الفلسطينيين، أعني المفاوض الفلسطيني، في مأزق حاد قد يكلفه أكثر مما نتوقع .وهنا أعني أنه كان من الواجب التمسك بالقرارات ـ إعلامياً ـ التي تؤكد عنصرية الكيان الصهيوني،على غرار عنصرية نظام الابارتايد في جنوب أفريقيا، مثل القرار 194 الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، كأساس للحل، رغم أني أرفض التسوية مع هذا الكيان جملة وتفصيلاً، وابقاء القرارين 242و338 في حيز الخطاب الاعتراضي. ولو كان هذا الأمر منذ البداية، قد عمم في وسائل الإعلام المرئي والمقروء والمسموع، لفض الكثير من الذرائع الأمريكية ـ الإسرائيلية، التي تمارس ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل، وهذا الخطاب يشرع شعار الانتفاضة والمقاومة دون أن يدمغ الشعب الفلسطيني بالإرهاب .أما بالنسبة للعرب والمسلمين بات مطلوباً منهم أن ينتجوا إعلاماً يقبل به عالم الشمال، كما نتقبل إعلامه بصدقية عالية،على اعتبار أن مهمة الإعلام تقع في حيز النقل والتوصيل للآخر، ومحاولة التأثير في آراء الآخرين وتشكيلها. هذه الأهداف تتشابك معاً، وتتفاعل، ويكمل بعضها البعض الآخر، بحيث يمكن القول أن المادة الإعلامية، قد تحقق جملة الأهداف معاً في وقت واحد وإن يكن في درجات متفاوتة .ولعل المثل الصارخ على ذلك ما بات يسمى بإعلام العولمة، وزيادة نفوذه على كل المستويات، وقد تمحور ذلك النفوذ بالنقاط التالية، هي: 1ـ استطاع الإعلام في عصر العولمة أن يجبر الدول وحكوماتها على الاهتمام بقضايا ومشكلات ظلت إلى وقت قريب بعيدة عن دائرة اهتمامها، كقضايا حقوق الإنسان ومشاكل الاقليات والتمييز العنصري. 2ـ استطاع الإعلام في عصر العولمة بوسائله التي تتخطى كل الحدود أن يعمل على تحويل المجتمعات والبيئات الداخلية للدول إلى مجتمعات وبيئات عالمية ،وهو أمر أثر في السياسات الداخلية وصانعيها في الدول المختلفة ،فلم تعد قراراتهم ومواقفهم وتصريحاتهم خافية على عيون الإعلام ،وحتى عندما تستحكم الأزمات والمشكلات الداخلية يتجه الناس إليه ليتعرفوا على ما يدور في بلادهم. 3ـ استطاع إعلام العولمة أن يكفل محيطاً ثقافياً واسعاً، ونظرة اشمل إلى العالم، وعمقاً في الاتصال الإنساني ،فاستقطب بذلك الملايين عبر رسائله المبسطة في عالم مليئ بالتعقيدات ،فكان الاندفاع نحو وسائله ،وبخاصة التلفزيون، أمراً شكل حافزاً للشعوب لكي تضغط من اجل التغيير. 4ـ استطاع الإعلام في عصر العولمة أن يعيد تشكيل العالم في صورة محسوسة بعد أن سيطرت وسائله على الزمان والمكان ،وصار بإمكان المشاهد أن يجد نفسه في أي نقطة في العالم قبل أن يرتد إليه طرفه ،وهكذا أنشأ إعلام العولمة عبر وسائله علاقة جديدة مع العالم والزمن ليكتشف الإنسان أن العالم المترامي الأطراف يمكن أن تختصر فيه المسافات والفوارق الزمنية ليصير كرة معلوماتية بعد أن كان في مرحلة سابقة قرية إلكترونية صغيرة. 5ـ استطاع الإعلام في عصر العولمة أن يدفع بالإنسان خطوات واسعة في طريق السلوك الاستهلاكي ،ذلك أن الاستخدام الواسع للإعلان الدولي ـ عبر وسائله ـ في مجال تسويق السلع والخدمات ،أدى إلى خلق طلب واسع على هذه السلع حتى في بلاد لا تسمح مستويات الدخل فيها بتبني أنماط الثقافة الاستهلاكية ،والنتيجة الطبيعية انخفاض معدلات الادخار في مثل هذه الدول ،وبالتالي امتصاص جزء كبير من فائضها الاقتصادي على رغم الحاجة الماسة إليه. 6ـ استطاع الإعلام في عصر العولمة أن يوفر لوكالات الإعلان الدولية المناخ الملائم لنشر قيم المجتمع الاستهلاكي التي تعرض لثقافة جديدة على شعوب تحاول أن تحتفظ بذاتيتها وخصوصيتها الثقافية. 7ـ استطاع الإعلام في عصر العولمة أن يحيل العلاقات الدولية إلى بحر من الأمواج المتلاطمة ،فاحدث تأثيرات من الصعب تقويمها في الوقت الحاضر ،فالواقع يؤكد أن عمليات التوظيف والتعتيم والتضليل والتحريف والتشهير لخدمة أغراض قوى عظمى ،أصبحت مسائل واضحة للعيان، أثرت بدورها في العلاقات بين الدول. 8 ـ استطاع إعلام العولمة بقدراته التكنولوجية الهائلة أن يضعف من نظم الإعلام الوطنية ويزيد من تبعيتها له، لتنقل منه ما يجود به عليها من صور ومعلومات وإعلانات. لقاء ذلك أصبح لزاماً على العرب والمسلمين التفكير بإنتاج منظومات إعلامية، تستحوذ على ذات المزايا الذي يتصف بها إعلام العولمة، أي أن يسعى هذا الإعلام على إعادة قولبة القيود الاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية التي حكمت خطابنا الإعلامي، بقوالب جديدة مقبولة لدى جمهور المتلقين، بهدف مواجهة ما يسعى له منظرو العولمة بفرض طرق جديدة هدفها تعميم ثقافة مغايرة لثقافات شعوبنا عن طريق الاستخدام الموجه للكلمات والصور. ولا غرو إذا ما استفدنا من رؤية هربرت شيللر عندما يرى «أن السيطرة على البشر وعلى المجتمعات تتطلب في الوقت الحاضر وقبل أي شيء الاستخدام الموجه للإعلام، فمهما كان جبروت القوة التي يمكن استخدامها ضد شعب ما فإنها لا تفيد على المدى البعيد، إلا إذا تمكن المجتمع المسيطر من أن يجعل أهدافه تبدو مقبولة على الأقل، إن لم تكن جذابة، بالنسبة لهؤلاء الذين يسعى لإخضاعهم، فالحالة الشعورية لسكان بلد ما لها دورها الملموس في تحديد سلوكهم الاجتماعي ونهجهم الثقافي». أي أن هذا الأمر بالذات يملي علينا الكثير من الجهد، لانتاج البرامج المتطورة القادرة على مواجهة إعلام العولمة الكاسح، المدعوم بالخبرات وبرؤوس الأموال المذهلة، ودون ذلك سنسلم مجتمعاتنا بلا حروب إلى سيطرة الثقافة الغربية التي ترتكز حول ما يسمى «نمط الحياة الأمريكية»، التي بدورها ستنعكس ليس على واقع ثقافاتنا المحلية وحسب، بل وعلى وحدة مجتمعاتنا الوطنية. ختاماً لا بد من الخروج من دائرة المحظورات، التي حكمت خطابنا الإعلامي، الذي اتصف مع الأسف بالأحادية المنقوصة، وتركز في حيز الخطاب الأيديولوجي الجامد وحسب، دون أن يقدم لنا النموذج الذي يحتذى. لكن شرط ذلك أن يخرج الإعلام بأدواته وقيمه من حيز الرقابة المقيتة التي تقتل ليس الإبداع فيه، بل والهدف الذي تبنى على أساسه المادة الإعلامية كشيء مصنع لجمهور المتلقين. ـ كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات