لماذا انتظرت 55 سنة حتى تنشر مذكراتها عن علاقتها الحميمية مع أخطر شخصية عرفها القرن العشرون؟ لم تكن علاقة تراودل يونج التي رحلت الاسبوع الماضي في مدينة ميونيخ الالمانية عن 81 عاماً مع ادولف هتلر صلة عشق وانما كانت علاقة عمل، فقد كانت سكرتيرته الخاصة. «حتى الساعة الاخيرة» هو عنوان الكتاب الذي يسجل مذكرات تراودل. وهذه الكلمات الثلاث تشير الى انها كانت عند نهاية عامين ونصف العام من العمل المباشر مع ذلك الزعيم الذي هز العالم بأسره منذ اواخر ثلاثينيات القرن الماضي وحتى منتصف الاربعينيات الشخص الأوحد الذي لازم هتلر حتى أيامه ولحظاته الاخيرة لمدى 24 ساعة يوميا اذا استثنينا عشيقته ايفا براون. ورغم ان الايام الاخيرة لذلك الزعيم الالماني العالمي كانت كل لحظة منها تقريباً حدثاً درامياً في حد ذاته إلا ان ابرزها وأشدها زخماً درامياً كان واقعتين: انتحار هتلر من ناحية وما عمد اليه من ناحية أخرى من كتابة وصيته، وقد كانت تراودل يونج شاهداً تاريخياً على الاثنتين. فقد املى عليها هتلر وصيته اذ هي تقوم بطباعتها على الآلة الكاتبة، وفي اليوم التالي سمعت صوت الطلق الناري من الغرفة المجاورة، فقد انتحر هتلر بوضع فوهة مسدسه داخل فمه فتهشمت دماغه وتناثرت على اثر اطلاق المسدس. كان طبيعيا ومفهوماً ان تتريث هذه السيدة لسنتين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ورحيل هتلر الدموي في عام 1945م. لكن لماذا احتفظت بمخطوطة المذكرات لاكثر من نصف قرن قبل ان توافق على نشرها؟ الاجابة عن هذا السؤال نجدها في موعد رحيل تراودل يونج، فقد حدثت الوفاة بعد أيام معدودة فقط من موعد نشر كتاب المذكرات. وتفسير هذا التزامن العجيب ليس عسيراً. قطعا كانت تراودل لمدى 55 سنة تخشى على حياتها من انتقام يهودي ان اقدمت على النشر، أما لماذا قررت أخيراً الاقدام على النشر فإن اغلب الظن انها علمت من الاطباء بالموعد التقريبي لنهاية حياتها، فقد كانت تراودل تعاني المرحلة الاخيرة من داء السرطان. لم اطلع شخصيا بعد على هذا الكتاب، لكن ملخصاته في الصحافة الغربية تعكس ضمنا ما كان له إلا ان يغضب اليهودية العالمية، فاذا كان محور المذكرات هو شخصية أدولف هتلر كزعيم سياسي وانسان، فإن مضمون الرسالة التي بثتها تراودل يونج عبر السطور هي ان ذلك القائد الالماني هو زعيم كان يحب شعبه.. وكان زاهداً وذا نزعة انسانية. وبغض النظر عن الظرف الزماني الذي قررت فيه سكرتيرة هتلر نشر مذكراتها المثيرة فإن حقيقة ان دار نشر غربية تجرأت على تولي امر النشر هي في حد ذاتها مؤشر ذو دلالة مهمة للغاية من حيث انه يعني ان النفوذ الصهيوني في اوروبا بات الآن في حال تدهور نسبي فلم يكن متصورا اطلاقا ان يتوافر اي قدر من الشجاعة لاي دار نشر اوروبية قبل 20 عاما مثلا لقبول دخول مخاطرة كهذه بأن توصم فورا بمعاداة السامية تمهيداً لشن حرب ضارية عليها من قبل دوائر الصهيونية الغربية لاقصائها نهائيا من سوق النشر العالمية. ان الكراهية اليهودية الراسخة لأدولف هتلر ليس منشأها المذابح الجماعية النازية للجماعات اليهودية في اوروبا كما تروج اجهزة الدعاية العالمية التي تحركها الحركة الصهيونية العالمية بقدر ما هي ان السياسة العدائية التي كان ينتهجها هتلر ضد اليهود كانت تنطلق من عقيدة دينية. في كتابه «كفاحي» قال هتلر عن الامة اليهودية: «لدي اعتقاد ديني راسخ بأنني اتصرف حيال اليهودية العالمية بمقتضى ارادة الخالق من اجل تخليص البشرية من شر اليهود». ان المدخل الديني لا العنصري هو اشد ما تخشاه الصهيونية العالمية لانه قد ينسف مقولة «شعب الله المختار».