منذ أن قرأت مقاله الأول في مجلة (الكتب وجهات نظر) وأنا حريصة جداً على مطالعة هذه المجلة الرصينة مطلع كل شهر، فإذا نفدت ـ وهي غالباً ما تنفد من المكتبة، التي اعتدت على التردد عليها ـ فإنني احرص على مطالعتها في الصحف التي تنشرها ورقياً أو على مواقعها عبر شبكة الانترنت. مقال الاستاذ محمد حسنين هيكل هو الأروع في هذه المجلة، ذلك المقال الذي ابتدع هيكل نوعيته وتفرد في فنه، المقال المستطرد او المسترسل الذي يتنقل فيه من الكليات الى التفاصيل رابطاً بين الحوادث الكبرى التي ترسم وجه التاريخ ضمن سياق من العلاقات والنزعات الانسانية المتداخلة. وهكذا يفعل هيكل مطلع كل شهر، حين يأخذ بيدك ليقودك في رحلة طويلة جداً عبر مسالك وممالك وكهوف وطرقات يعرفك على ملوك ورؤساء ورجال مخابرات وجواسيس وزعماء مافيا، وامراء حرب وتجار سلاح ومدراء جامعات وعلماء، ليضع أمامك كل الحقائق بكل شروحاتها وملابساتها فتعود من رحلتك وقد انكشفت لك الحقائق، فكأن بصرك حديد، وكأن التاريخ والجغرافيا ومعادلات السياسة كلها بين يديك! في مقالته الاخيرة (واشنطن تؤذن للجهاد من كابول) يفاجئك (هيكل) بكم هائل من الحقائق المتعلقة بقضية الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي نهاية السبعينيات وحتى نهاية الثمانينيات، هذه القضية الشائكة جداً والمتداخلة سياسياً ودينياً واستراتيجياً واقتصادياً وجغرافياً، وحيث يتشابك السياسي مع مجمل تفاصيل الواقع على أرض افغانستان عقداً من الزمان، يصبح تفكيك الأحاجي والألغاز نوعاً من المجازفة غير المأمونة العواقب في ظل انعدام المعلومات الدقيقة خاصة اذا ما انتهى خيط المعلومات التي تبحث عنها عند جهات يستحيل اختراقها كالمخابرات المركزية الأمريكية، وقيادة الجيش الباكستاني، ومعاقل امراء الحرب في أفغانستان وجلسات المشاورات السرية بين الرئيس الأمريكي ومستشاريه في البيت الأبيض، وحده هيكل يمتلك صبر المفكرين والعلماء كي يبحث وينقب ويقرأ، ثم يقدم لك كل مفاتيح هذه الألغاز على طبق من ورق (الكتب وجهات نظر) ! استغرقتني قراءة مقالته الاخيرة قرابة الساعتين وربما أكثر، فكنت أتأرجح بين الانبهار والخوف، والدهشة والقلق، الانبهار بمقدرة (الاستاذ) على امتلاك ناصية العبارة والمعلومة والقلب، والخوف من كل هذه الحقائق المرعبة التي تسيّر دفة الأحداث حولنا بهذه المأساوية والبراجماتية (النفعية)، والقلق من انجرافنا المستمر بذهنية السذج المصدقين لكل شعار يرفع، وكل مبدأ يطرح، والدهشة من قدرة الولايات المتحدة الخارقة على اللعب بأدق الثوابت لدى الشعوب وهي العقائد، والانتصار على كل التناقضات الكامنة في أهداف السياسة ومصالح أصحابها، تماماً مثلما احتكرت غنائم الجهاد الأفغاني، وولت هاربة من المستنقع ومتهربة من دفع الضرائب ! لقد صنعت ادارات امريكية متعاقبة واقعاً سياسياً شديد التعقيد والتناقض على أرض أفغانستان وخلال أربعين عاماً وربما أكثر من أجل القضاء على الخصم الاكبر (الاتحاد السوفييتي)، ثم السيطرة على منابع بترول بحر قزوين واحكام السيطرة التامة على مصادر الطاقة في الخليج وتوفير مظلة أمن ثابتة لحليفتها اسرائيل بضمان اسكات أصوات الرافضين لهذه الدولة أو غير القابلين بوجودها او المهددين لأمنها وعلى رأسها (ايران والعراق) بطبيعة الحال. ويأتي ضمان الأمن باحكام السيطرة العسكرية بوجود قواتها بشكل سافر وواضح ومقبول او مطلوب لدى كثير من الاطراف، وبفرض انظمة حاكمة حليفة ومتعاونة (كرها أو قناعة) وباستخدام ورقة الارهاب والارهابيين لمزيد من الضغط والترهيب والتخويف والابتزاز، وبعد افغانستان، ها هي الولايات المتحدة تمهد العالم لقبول الضربة المقبلة على العراق، اذن نحن مقبلون على عهد (أفغنة) المنطقة وفرض الواقع الافغاني عليها، ما ينذر بكوارث لا قبل لأحد بها!