«لقد دمروا حياته واحلامه»: كان هذا تعليق المواطن الجزائري محمد الرايسي عن حال شقيقه لطفي الرايسي لدى الافراج عن الاخير في لندن قبل بضعة ايام بعد خمسة شهور من احتجازه رهن التحقيق. لقد اعتقلت الشرطة البريطانية، ذلك الشاب الجزائري الذي لم يبلغ الثلاثين بعد بتهمة ممارسة الارهاب على اساس اشتباه بانه مشارك في تدبير عمليات تفجير مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاجون في الولايات المتحدة والآن وبعد الشهور الخمسة الطويلة في المعتقل يقول القاضي البريطاني الذي مثل امامه الرايسي انه لا تتوافر ادلة كافية لمجرد احتجازه فضلا عن تقديمه الى محاكمة. والمحنة التي تواجه هذا الشاب العربي المسلم المؤهل بشهادة في الطيران المدني تتمثل في سؤال: هل يستطيع بعد اكثر من مئة وخمسين يوما من هوس اعلامي مكثف قدمه الى العالم كارهابي محترف ومجرم خطير لاشك في تورطه في احداث التفجير في نيويورك وواشنطن ان يواصل ممارسة حياته الطبيعية مهنيا واجتماعيا ـ سواء في بلدان الغرب او موطنه الجزائر؟ لقد تحركت الشرطة السرية البريطانية ضد الرايسي بناء على طلب امريكي من مكتب التحقيقات الفيدرالي سييء السمعة واذا تغاضينا عن قصص الخيال المرضي التي اشتمل عليها الطلب الامريكي فان الاساس الاشتباهي الوحيد الذي استند اليه رجال مكتب التحقيقات هو مجرد ان هذا الشاب العربي المسلم درس علوم الطيران في الولايات المتحدة فاستحق بذلك ان يصنف دون اي ادلة ضمن مجموعة الشبان العرب المسلمين الذين تقوم اجهزة الامن الامريكية انهم هم الذين اختطفوا طائرات الركاب التي استخدمت لتفجير الهدفين الكبيرين في نيويورك وواشنطن. هنا نتوقف برهة لنتأمل غرابة المشهد المتحرك. قسم في الشبان العرب المسلمين موضع الشبهة فقدوا حياتهم في حوادث التفجير نفسها والقسم الآخر وهم يعدون بالمئات مازالوا لمدى الشهور منذ وقوع التفجيرات في 11 سبتمبر رهن الاعتقال في السجون الامريكية وغرابة المشهد تتمثل في انه بالرغم من الزخم الاعلامي الامريكي الذي يغذيه يوميا رجال مكتب التحقيقات عبر تصريحات ومقابلات بلا نهاية لايزال المشتبه بهم مشتبها بهم سواء كانوا من الاموات او الاحياء حتى اليوم لا يوجد دليل قانوني محدد وواضح يثبت هذه التهمة بحقهم. ان الشاب الجزائري الطيار لطفي الرايسي محظوظ دون شك فلو تصادف انه كان موجودا داخل الاراضي الامريكية عند وقوع تفجيرات سبتمبر او بعد ذلك لبقي تحت الاعتقال الى ما لا نهاية كما هو حال كل العرب والمسلمين المشتبه بهم في الولايات المتحدة دون ان تتاح له اي فرصة للمثول امام قاض ليستمع اليه فيأمر باطلاق سراحه. لكن في الوقت نفسه لا نستطيع ان نقول ان الرايسي محظوظ تماما فمن الان فصاعدا سيكتشف انه شخصية اخرى.. شخصية «الارهابي» الرهيب التي رسمها الضخ الاعلامي الامريكي لمدى خمسة شهور بتغذية يومية من تلفيقات مكتب التحقيقات الفيدرالي التى تطبخ وتخرج وكأنها حقائق لايرقى اليها اي شك. واينما يتوجه الرايسي فانه سوف يكتشف ان هذه الصورة الغريبة قد ثبتت في اذهان الناس. نعم.. «لقد دمروا حياته واحلامه» كما قال شقيقه محمد الرايسي، لكن هل يحصل هذا الشقيق على «الاعتذار» الذي قال انه سيطالب به مكتب التحقيقات الامريكي؟ في الاسبوع الماضي سئل مواطن امريكي يدعى ريتشارد جولز في مقابلة تلفزيونية عما اذا كان يعتزم مقاضاة مكتب التحقيقات بعد ان قضى شهورا رهن الاستجواب بشأن الاشتباه بعلاقته بحادثة تفجير وقعت عام 1997 في مدينة اطلنطا الامريكية وخلال فترة الاعتقال وقبل ان يفرج عنه كان رجال مكتب التحقيقات يتحدثون عنه الى وسائل الاعلام وكأنه مجرم مدان وليس مجرد مشتبه به. وفي اجابته عن السؤال التلفزيوني قال جولز ان محاميه نصحه بعدم الاقدام على رفع دعوى ضد مكتب التحقيقات حتى لو كان كسب القضية مضمونا. لماذا؟ لان مكتب التحقيقات في مثل هذه الحالة ـ وقد حشر في زاوية ـ سوف يبتكر لصاحب الدعوى تلفيقات جديدة في قضية مفتعلة.. كأن يضع له ـ مثلا ـ مخدرات داخل سيارته!