شهدت الأسابيع الأخيرة تطورات سياسية هامة على مستوى العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا الغربية، يمكنها أن تؤدي في حالة استمرارها إلى تشكيل جديد للعلاقات السياسية الدولية الراهنة، وقد تنتهي إلى رسم خريطة سياسية تختلف إلى حد كبير عن تلك الخريطة التي كان يرى البعض أنها ستسود لفترة طويلة بزعامة القطب الأوحد المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في ظل غياب قوة سياسية أخرى لها مصالح متعارضة مع المصالح الأمريكية في العالم. من أهم تلك التطورات مضي الولايات المتحدة في شحن المناخ السياسي العام بخطوات كبيرة لدعم قدراتها العسكرية من خلال تخصيص ميزانيات ضخمة تضاف إلى الإنفاق العسكري المتضخم أصلا خلال سنوات سابقة. انفاق مزعج من أهم تلك القرارات التي اتخذها الرئيس جورج بوش الابن زيادة حجم الإنفاق العسكري الأمريكي إلى 451 مليار دولار خلال الفترة التي تنتهي عام 2007، مما يعني أن تلك الزيادة تشكل 36 في المائة عنما كان مقررا من قبل، وهو إنفاق مزعج للعديد من الدول الأوروبية شريكة الولايات المتحدة في حلف الأطلسي التي تحاول تحجيم الأنفاق العسكري لتسليح قواتها لتوفير موارد مالية يمكنها أن تخفف من حدة الآثار السلبية للأزمة المالية التي تعيشها الاقتصادات الغربية تحت التأثير السلبي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر. هذه الأرقام التي قرر البيت الأبيض إضافتها إلى الإنفاق العسكري خلال السنوات الخمس المقبلة تعتبر في رأي الخبراء الأوروبيين خطرا اقتصاديا حقيقيا، لأنها قد تأتي على الوفر الضخم الذي تمكنت الولايات المتحدة من توفيره خلال فترتي حكم الرئيس السابق بيل كلينتون، وقد يدفع الولايات المتحدة إلى فترة من الاندفاع إلى ما هو عسكري دون اهتمام بالجانب المدني من اقتصادها، وبالتالي يمكنه أن يؤثر أيضا بالسلب على تطور الاقتصاد الأوروبي المرتبط بالاقتصاد الأمريكي بشكل كبير، مما يزيد من فترات الكساد المتوقعة الناتجة عن الحالة الاقتصادية العالمية الراهنة. يضاف إلي هذا الانزعاج من الجانب الأوروبي تجاه الخطوات الأمريكية الأحادية انزعاج آخر ناتج عن محاولة تبرير زيادة الإنفاق العسكري أمام دافعي الضرائب الأمريكيين باختلاق مناطق جديدة يرى فيها البيت الأبيض أخطارا محدقة يجب دفعها، منها التصريحات التي تحاول خلق عدو جديد متمثل فيما تسميه الإدارة الأمريكية باسم «محور الشر»، وهي تعبيرات زاد التصريح بها في الأسابيع الأخيرة، ولم يقتصر تأثيرها السلبي على ردود أفعال الدول المعنية بتلك التصريحات فقط بل امتد إلى دول كانت في السابق «محور الشر» ضد الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، وهي ألمانيا وإيطاليا واليابان، وتعتبر اليوم من الحلفاء الذين يجب الاعتماد عليهم في تطبيق السياسة الأمريكية في العالم الراهن، حيث تعيد تلك التسمية إلى الأذهان ماض بغيض يجب نسيانه ودفنه قبل أن يوقظ مشاعر قديمة تؤثر سلبيا في علاقات شعوب تلك الدول بالولايات المتحدة كدولة وشعب. تعبيرات عدائية ويأتي استخدام التعبيرات العدائية للولايات المتحدة الأمريكية ضد مناطق جديدة في العالم ينطبق عليها تعريفها الأحادي عن الإرهاب، وبعيدا عن التوصل إلى تعريف عام يجمع عليه المجتمع الدولي، وهو تعريف عارضت الولايات المتحدة دائما التوصل إليه حتى يظل تعريفها الخاص هو السائد، ويمكنها بالتالي اختيار العدو الذي ترى أو تريد في الوقت والمكان الذي تريد. ويرى المراقبون أن مضي الولايات المتحدة في بحثها عن «عدوها» الخاص دون التشاور مع «حلفائها» يعود إلى السهولة الشديدة التي حققت بها انتصارها العسكري في أفغانستان ودون خسائر كبيرة، أو أنها استطاعت أن تحقق تلك الانتصارات بخسائر أمكن إخفاؤها بشكل كبير في غياب إعلام حقيقي يغطي أحداث القتال على ارض المعارك، حتى بدت العمليات هناك وكأنها نزهة عسكرية، مما دفعها، أو دفع بعسكرييها إلى الاعتقاد بان أية مغامرات عسكرية جديدة يمكنها أن تكون على نفس المستوى من السهولة في تحقيق انتصارات سريعة بفضل التفوق الجوي الذي يجعل من السيطرة على السماء والفضاء سلاحها الرئيسي الذي يجنبها أية مواجهات حقيقية على ارض المعركة يمكنها أن تعيد إلى الأذهان مستنقعات سابقة سقط في الجيش الأمريكي في تاريخه القصير مثل ما حدث في فيتنام. وبرز خلاف الرؤية من جانب الشركاء الأوروبيين مع الولايات المتحدة في إطار حلف الأطلسي خلال المؤتمر الدولي للآمن الذي انعقد مؤخرا في برلين، حيث أكد معظم الزعماء الأوروبيين خلال هذا المؤتمر على معارضتهم للطريقة التي تحاول الولايات المتحدة أن تفرضها على العالم بشكل أحادى بهدف تعزيز سيطرتها السياسية الناتجة عن السيطرة العسكرية التي تتمتع بها، وطالبوا بوضع حدود لهذا التوجه الذي يكشف عن السياسة الخارجية الأمريكية لا يتم رسمها في وزارة الخارجية، بل يضع خطوطها الرئيسية الصقور من القادة العسكريين المنتشين بزهو انتصاراتهم التي حققوها في أفغانستان، وهو نصر مشكوك في إمكانية تحقيقه في مناطق أخرى، لان الحرب الأفغانية كانت في حقيقتها حربا من جانب واحد مسيطر يملك كل أدوات الدمار في مواجهة أخلاط من الرجال المسلحين والمدربين بشكل رديء. وربما كانت تصريحات البريطاني جورج روبرتسون سكرتير عام حلف الأطلسي معبرة عن هذا القلق الأوروبي تجاه السياسات الأمريكية الأحادية، فقد أكد خلال مؤتمر برلين الحاجة العاجلة إلى تفادي اندفاع واشنطون إلى الأحادية في اتخاذ القرارات دون التشاور مع حلفائها في حلف الأطلسي باعتبارها الممول الرئيسي للإنفاق التسليحي للقوات التابعة للحلف. سياسة احادية ويؤكد هذا القلق الأوروبي أيضا أن الولايات المتحدة اتخذت خلال السنوات الأخيرة خطوات غريبة في تعاملها مع شركائها في الحلف برفضها تقاسم آخر إنجازاتها في مجال التكنولوجيا العسكرية التي حققتها معامل التجارب التابعة للبنتاجون، لأن الولايات المتحدة ترى أن استحواذها على أسرار احدث التكنولوجيا العسكرية لنفسها يجعلها في مركز المتفوق على شركائها، وبالتالي يزيد من قدرتها على التأثير في اتخاذ القرار السياسي في إطار الحلف. تكمن رهبة أوروبا أيضا من نتائج هذه السياسة الأحادية من الجانب الأمريكي، في أن يمتد الخلط ما بين ما هو سياسي وما هو عسكري في الخطط الأمريكية إلى مناطق حساسة جدا يملكون فيها مصالح اقتصادية مؤثرة، مثل منطقة الشرق الأوسط التي تكاد تكون البركان المقبل المهدد بالانفجار، فالأوروبيون يخشون من الدعم الأمريكي المطلق لكل الأعمال العسكرية التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية في مواجهة سكان المناطق الفلسطينية العزل. لذلك يرى الأوروبيون أن أي عمل عسكري قد تقوم به الولايات المتحدة ضد أي دولة في المنطقة كإيران أو العراق، تنفيذا للفلسفة العسكرية السائدة في البيت الأبيض، قد تؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها، لأن مثل هذه المغامرة قد لا تؤدي إلى خلق مناطق اشتعال جديدة فحسب، بل قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في كل آسيا الوسطى. مغامرات عسكرية وربما يكون تخوف أوروبا الغربية من حدوث ما يزعزع تلك المنطقة ناتجا عن اعتقادهم أن أي عمل عسكري مستقبلي ضد إيران أو العراق إنما تكمن وراءه رغبة إسرائيل في خلق مناخ يمكنها من ضرب المنشآت النووية في أي دولة في المنطقة تحت غطاء ضرب الإرهاب، أو عقاب الدول التي تأوي الإرهابيين بعد أن أصبحت تعريفات الإرهاب الأمريكية تكاد تكون متطابقة مع التعريفات الاسرائيلية، وهناك العديد من المؤشرات والشواهد التي تؤكد وجود هذه النية الخبيثة. كل الشواهد السابقة تؤكد أن الولايات المتحدة ستظل سائرة في طريقها نحو مغامرات عسكرية جديدة دون النظر إلى مصالح حلفائها في أوروبا الغربية أو حتى حلفائها في الشرق الأوسط، لأن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها متحدث من وزارة الدفاع الأمريكية لا تزال تصب في هذا الاتجاه، وأيضا آراء المحللين الأوروبيين تؤكد استمرار هذا التخوف الأوروبي، ويخشون أن تجر سياسة جورج بوش الابن أوروبا إلى مغامرات قد تؤدي إلى القضاء على التحالف الدولي الهش في مواجهة «الإرهاب»، والدخول في حلقات جديدة من الرعب لا يستطيع أحد إحصاء عدد ضحاياها. ـكاتب مصري مقيم في أسبانيا