لا ريب ان التطورات الاخيرة التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تشكل تراجعا عربيا لا سبيل الى نكرانه، وخسارة لبعض الاوراق الرابحة التي كنا نحملها. ونذكر من بين هذه التطورات، التغير الذي طرأ على نظرة بعض الجهات الدولية نحو العرب والمسلمين، وتجاه الكفاح الفلسطيني المسلح، وكذلك المهانة التي لحقت بنا من جراء تمكن اسرائيل من وضع زعيم عربي شرعي مثل ياسر عرفات، تحت الاقامة الجبرية، لفترة من الزمن. فهذه كلها مستجدات لا سابقة لها، ولا يمكننا تجاهلها والزعم بأن الآخرين يتجنون علينا. فنحن الذين نتجنى على أنفسنا. وعلينا، اذا اردنا معرفة اسباب ما يحدث، ان نفتش، هنا، في داخل ذواتنا وحياتنا الداخلية، بدلا من ان نهرب الى هناك، ونتهم العالم بالتحامل ضدنا. وانا شخصيا احكم على الامور، من خلال منظار معين يختلف عن المناظير الاخرى، فلا اعزو ما يصيبنا من اخفاقات ونمنى به من هزائم، الى سوء الحظ، او التجني علينا، او التطورات غير المحسوبة، او الى «اصابع زينب»، كما يقولون، او المفاجآت الطارئة، بل اني ارجع كل ما يداهمنا من اخفاقات، في نهاية المطاف، الى البنية المهزوزة لمجتمعنا، والى اختلال موازين العقل العربي. او فلنقل باختصار الى تخلفنا. صحيح ان للاحداث الخارجية دورا كبيرا في التأثير في مسيرة حياتنا، الا انه يبقى للظواهر التخلفية في ممارساتنا، الدور الأهم في فشلنا. وليس من السهل بالطبع معالجة هذا الداء الوبيل المتمثل بالتخلف، لأن موقعه، في حياتنا القومية، يكاد يعادل موقع السرطان في الطب. وهذا لا يشمل مسألة العلاج، وحسب، وانما يتعداها الى تشخيص المرض، ايضا. فكما ان الاسباب الحقيقية للسرطان غير معروفة، حتى الآن، فان الحال كذلك بالنسبة للتخلف العربي الذي طالما دار النقاش واستعر الجدل، حول ما اذا كان يعود الى تأثيرات فطرية أم بيئية. ومما يزيد الامر صعوبة، ان هناك ظواهر ناشئة عن التخلف، ومسئولة في الوقت نفسه على استمراره وتكريسه، مثل النزعة الفردية المفرطة عند الانسان العربي. وخلال الطريق الطويلة الشائكة نحو محاولة كشف النقاب عن البواعث الحقيقية لتخلفنا، ربما يحق لنا ان نبدأ بالتساؤل، عما اذا كانت اسبابه تعود الى عوامل مادية ام انسانية، في المجال الاول، يملك العرب جميع مقومات النجاح: فعدد سكانهم كبير. ويبلغ مئات الملايين كما ان حدودهم شاسعة.. واراضيهم واسعة. اضف الى هذا ان تربتهم خصبة ومواردهم غنية ومياههم عذبة وبترولهم غزير. وهذا كله يعني ان عناصر التقدم الحضاري الكمية متوافرة عند العرب، ولا يمكنهم بحال من الاحوال ان يرجعوا اسباب تخلفهم الحالي الى ضآلة عدد السكان او شح الموارد، او انكماش الاراضي او ضيق رقعتها. وطالما انهم استطاعوا في غابر ايامهم وسالف ازمانهم، ان يضربوا عميقا في مفاوز التقدم، وان يدهشوا العالم بانتصاراتهم الباهرة ومنجزاتهم العلمية والعسكرية والادبية الفريدة، فان هذا يدل على انهم ليسوا متخلفين بالفطرة او بالوراثة، وان هناك ظروفا معينة طارئة تؤثر في مستويات ادائهم. وربما يحق لنا القول بأن الانكسار العربي، هو ظاهري ومؤقت، وليس قدرا محتوما أو ظاهرة ابدية، لقد استطاع العرب في الماضي ان يضاهوا اعرق الامم، ويبزّوا أقوى الشعوب، فماذا حدث بعد ذلك، حتى اصبحوا اليوم يتصرفون بطرق لا يمكن ان يسلك مسالكها سوى أناس متخلفين؟ ليس بوسعنا ان ننكر دور الغزوات الاجنبية المتكررة التي كنا ضحية لها، ومن اهمها غزوات المغول، كما لا يمكننا ان نقلل من أهمية تعرض بلادنا للاحتلال في فترات عديدة من الزمن. وأخيرا لا نستطيع ان نتجاهل بروز الكيان الاسرائيلي الذي تضطرنا المواجهة معه الى تخصيص مواد هائلة، كان يمكن تكريسها لبناء مجتمع عصري متقدم. ولكن هل تكفي مثل هذه الاحداث السلبية لكي تحيل شعبا أصيلا متحضرا الى شعب متخلف؟ لا ننكر انه كان لها تأثيرها المؤكد، ولكنه تأثير محدود لا يصل الى حد تحويل النهار الى ليل، والنور الى ظلام، والورد الى شوك. اذن، ما حقيقة الامر؟ اذا كانت مواردنا وسكاننا وارضينا متوافرة بسخاء، واذا كانت الغزوات الخارجية، وانشاء الدولة العبرية، لا تشكلان سببا كافيا لتخلفنا، فأين تكمن العلة ويستقر الداء؟ وفي أية دهاليز ومتاهات ينبغي ان نفتش ونستقصي ونستكشف؟ ان معرفة الاسباب العميقة للتخلف المزمن او الانكسار المرحلي، تحتاج الى ابحاث منهجية عميقة تشارك في اجرائها مراكز ابحاث اكاديمية متخصصة، لأن اماطة اللثام عن حقيقة الأمر ليست بالسهولة التي يستطيع معها اي كاتب او باحث بمفرده، النهوض بها. ومع ذلك، فلعلنا نستطيع الوصول الى بعض بقع الضوء والنقاط الارشادية، فاذا قلبنا صفحات عاداتنا وتقاليدنا وقيمنا وتربيتنا وقوانيننا وطرق تعاملنا مع بعضنا بعضا. ففي هذه الميادين يكمن الكثير من السلبيات والاخطاء التي تحتاج الى مراجعات. واذا نقبنا في ثنايا حياتنا الاجتماعية والفكرية، نجد مجالا رحبا للتشخيص والعلاج معا، على نحو نسبي. ففي مجال العادات والتقاليد، هناك منها الكثير، مما اثبت الزمن خطأه وخطله. ومع ذلك، مازال كثيرون من الناس متمسكين بها ومتشبثين بتلابيبها، ولا يطيقون الفكاك منها. وقد حان الوقت لوضعها في ميزان التمحيص الموضوعي واعادة تقويمها. وفي ميدان القيم: على الرغم اننا من اكثر الشعوب تغنيا بالشهامة وترنما بمكارم الاخلاق، وعزفا مستمرا على اوتار المثالية، فان كل شيء ينقلب رأسا على عقب، عندما تدق الساعة ويحين وقت الامتحان على ارض الواقع العملي! وفي حقل التربية، نجد معظم المناهج العربية تركز على التلقين الكلاسيكي والتزويد بالمعلومات التقليدية. ومازال كثير من الاهتمام موجها نحو الدوام والالتزامات المقيدة للحرية، مع ان الهدف الاساسي يجب ان يكون بناء شخصية الطالب وتعويده على التفكير السليم والتحليل النقدي الموضوعي، وحضه على احترام الرأي الآخر وصيانة حقوق الغير. وفي مجال القوانين، مازال كثير منها حبرا على ورق، او انها لا تطال الا الفئات المتوسطة والكادحة، في حين ان النخبة واصحاب الامتيازات والاستثناءات، غالبا ما يفلتون منها. اما في مضمار الاعلام، فان المقاصد الدعائية كثيرا ما تطغى على الأهداف التنويرية، كما ان عددا غير قليل منها موجه نحو الاستهلاك الداخلي، وتمجيد النخبة الحاكمة والتصفيق لها، سواء كانت مخلصة أم سيئة. واذا طفنا في دهاليز حياتنا السياسية المظلمة، نجد معضلة المعضلات وام المشكلات تعصفان بكل بنياننا القومي وتحيله الى انقاض وركام وتحوله الى قاع صفصف. ونقصد بذلك، غياب الحرية والديمقراطية في ربوعنا العربية. هذه هي المجالات التي يجب ان نتقصاها، مما يعني بصريح العبارة، انه قبل ان نتساءل لماذا يتمكن اليهود من محاصرة زعيم عربي مثل ياسر عرفات وسجنه في رام الله، ولماذا وقف ملايين العرب يتفرجون على مأساة ذبح الفلسطينيين، وكأنهم يشاهدون مسرحية تمثيلية، ولماذا تتعامل معنا الولايات المتحدة بطريقة فوقية؟ علينا قبل هذا، ان نفتح ملف عاداتنا وسلوكياتنا وممارساتنا اليومية. ففيها الجواب الشافي على كل ما يحدث لنا. ـ كاتب سوري