التحيز الأمريكي لاسرائيل وغياب الموقف العربي القوي، بقلم: عبدالقادر ياسين

أجبرت تفجيرات 11 سبتمبر الماضي واشنطن على التزلف للعرب، وخطب ودهم في سبيل تهدئة خواطرهم بصدد ما يجري في فلسطين من فظائع ضد شعبها الأعزل، وصولا إلى إجتذاب الدول العربية إلى التحالف الدولي من أجل ما أطلقت عليه الإدارة الأمريكية: (الإرهاب)، أو على الأقل لتحييد العرب في الحملات التي سيشنها هذا التحالف ضد أقطار عربية وإسلامية، على التوالي. مثل هذا الموقف الأمريكي سانحة ذهبية، تركها ياسر عرفات تفلت من بين يديه وبدل أن يتشدد في ضرورة سرعة تنفيذ المطالب المتواضعة لانتفاضة الأقصى والاستقلال، ويضع الإدارة الأمريكية أمام مسئولياتها كراعية لاتفاق أوسلو فإن الرئيس الفلسطيني أبدى تساهلا غير مطلوب، وفي غير محله، ما أكد للإدارة الأمريكية بأن تزلفها للعرب من أجل فلسطين ليس له ما يبرره، بعد أن أبدى من يفترض فيه أنه صاحب القضية تساهلا غير مسبوق.ا في الوقت الذي أحس فيه أرييل شارون بإتجاه الريح الأمريكية، ما جعله يتهم الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بمحاولة التفريط بإسرائيل على مذبح المصالح الأمريكية البحتة، على غرار ما فعله رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، تشمبرلين، سنة 1939، مع أدولف هتلر، حيث ترك الأول هتلر يلتهم تشيكوسلوفاكيا، وكان تشمبرلين يتوهم أنه بهذا الموقف إنما يجنب بلاده ويلات الحرب مع ألمانيا النازية، وقامت الدنيا في البيت الأبيض على وقاحة شارون، لكن العرب لم يستثمروا حتى هذه القيامة، فيما سارع شارون إلى تهدئة خواطر البيت الأبيض الذي عاد إلى سابق تحيزه لإسرائيل في قتلها العرب الفلسطينيين بالطائرات والصواريخ والدبابات الأمريكية الصنع. في هذا السياق يمكن فهم الإتهامات الجزافية للسلطة الفلسطينية ولعرفات التي بدأ يكيلها كبار المسئولين الأمريكيين، أمثال نائب الرئيس ديك تشيني، وأنتوني زيني ما أغرى شارون إلى تصعيد ضرباته ضد الشعب الفلسطيني، لتتناغم هذه الضربات مع التصريحات الأمريكية في عملية إبتزاز دامية لعرفات، حتى وصل الأمر إلى ضرب مروحياته، وتجريف مطار غزة،وفرض الحصار من حول مكان إقامة عرفات نفسه، في رام الله بالضفة الغربية. لعل ثمة ما يبرر وصول الإبتزاز الأمريكي ـ الإسرائيلي إلى ذروته، ذلك أن الدعم العربي يلوذ بمنطق الصدقة والزكاة في حده الأدنى، بدل أن يتحول إلى مشاركة عسكرية وسياسية واقتصادية قوية، تردع العدو الصهيوني، وتجعل الإدارة الأمريكية تحسب ألف حساب، تخوفا على مصالحها في الوطن العربي، فتضغط على إسرائيل كي تثوب إلى رشدها، أما المطالبة العربية الخجولة للإدارة الأمريكية بأن تضغط على فتاتها المدللة (إسرائيل) فتذهب أدراج الرياح. إلى ذلك فإن الحركة الوطنية لا تزال تعاني من أسباب الضعف، على رأسها غياب الوحده الوطنية،وبالتالي القيادة الجماعية، ومن باب أولى الاستراتيجية طويلة النفس للمقاومة ذلك أن عرفات لا يستأثر بالقرار الفلسطيني فحسب، بل إنه اختار لنفسه موقعا متوسطا بين الإنتفاضة والعدو، ما أغرى هذا العدو على بذل قصارى إبتزازه من أجل إنهاء هذا الموقف المتوسط لصالح العدو، الأمر الذي يستبعد حدوثه. أما الموقف الأوروبي فلا يمكنه الإفلات من أسار التبعية للموقف الأمريكي، لذا يمكن فهم تحيز الموقف الأول في سياق توزيع الأدوار، بما يخدر الموقف العربي، فينزع فتيل انفجاره (إن وجد)، وبما يخفف من الصلف الإسرائيلي، في آن. ذلك أن ذهاب الصلف الإسرائيلي بعيدا، قد يحرك البركة العربية الساكنة، بما يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة. وعلى سبيل المثال فإن ولي عهد السعودية، الأمير عبد الله قد لوح للإدارة الأمريكية بضرورة مراعاتها مصالحها في الوطن العربي، بما يشبه التهديد، أو يسبقه. مع مرور الوقت، ومنذ 4/12 الماضي، على وجه التحديد وجد عرفات نفسه أمام اختبار حرج أخير، فأما أن يستجيب للإبتزاز الأمريكي ـ الإسرائيلي، وأما أن يفيض الكيل بالمبتزين، فيفقدوا صبرهم، ويعمدون إلى إقصاء عرفات، وتنصيب دمية مطواعة محله، تنتهي خيوطها في واشنطن وتل أبيب، على حد سواء، وستظهر نتيجة هذا الاختبار خلال أقل من شهرين. توزيع الأدوار داخل الإدارة الأمريكية ما بين شد وجذب تجاه ما يجري داخل الأراضي الفلسطينية، لكن التباين في درجة الجرأة على الحق فحسب، ولم يصل إلى درجة التعارض، ولا أظنه سيصل، في المدى المنظور والمتوسط وهو تباين ليس جديدا، أو مستغربا على بلاد تأخذ بالليبرالية على أن الحسم، في النهاية - للرئيس ونائبه. وهما الأكثر صلفا وعداء للعرب داخل الإدارة الأمريكية، على نحو عجزا عن ستره. أما جرأة الإدارة الأمريكية على الحق فلا تعود للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية، لأن هذا اللوبي حاجة أمريكية، بالدرجة الأولى فهو الذريعة الكافية أمام الدول العربية لتبرير التحيز الأمريكي لإسرائيل، في شتى المجالات، وحين يحدث أي خلاف أمريكي ـ إسرائيلي، فإن هذا اللوبي يحاول تهدئته، وإستطاع إلى ذلك سبيلا، وعند الحسم فإن اللوبي لا يتردد في الوقوف في صف الإدارة الأمريكية ، على النحو الذي حدث حين رفض الرئيس الأمريكي الأسبق (1991)، جورج بوش الأب، منح تسهيلات لإسرائيل من أجل اقتراض عشرة مليارات دولار، قبل وقف الاستيطان. لقد نجحت إسرائيل في الإرتباط بالتوحش الأمريكي، غداه أحداث 11 سبتمبر إياها، فيما أخفق العرب، وبالذات عرفات، في توظيف هذه الأحداث على النحو المومأ إليه عاليه وإذا كان عجز عرفات قد عرفت أسبابه، فإن العجز الرسمي العربي يعود إلى افتقاد الموقف العربي القوي والموحد، بسبب افتقاد التضامن العربي، الذي يسبقه تطبيع العلاقات العربية ـ العربية ـ لذا لانزال في إنتظار ضياع المزيد من الفرص، ووقوع المزيد من الكوارث. ـ كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات