هل بريطانيا هي الطرف الخارجي المسئول عن زرع بذرة التمرد في جنوب السودان؟ أطرح هذا السؤال بمناسبة قرار رئيس الحكومة البريطانية توني بلير هذا الأسبوع بتعيين مبعوث خاص للسلام إلى السودان، وغرضي ليس تفحص مدى فرص النجاح أو الاخفاق لهذه الخطوة البريطانية الكبيرة وانما هو اعادة تشغيل شريط فيديو تاريخي لمحاولة وضع اجابة توثيقية على السؤال المطروح. وعلى الفور أسارع إلى القول ان «نعم» هي الاجابة المبدئية على السؤال لكن أشك ان مسئولية الادارة البريطانية في السودان (1899 ـ 1956) عن زرع بذرة التمرد الجنوبي كانت منطلقة من سوء نية مبيتة، وإذ أقول هذا فانني أدرك تماماً اني أركب مخاطرة التعرض لاستهجان من قد يرون اني انصب نفسي محامياً عن نظام استعماري وقد قررت ان أركب المخاطرة! أبدأ من آخر مشهد بريطاني في مسرح جنوب السودان كان في بؤرة المشهد الحاكم العام قبل الأخير في السودان.. السير روبرت هاو. كان مشهداً دخل التاريخ فوراً فقد هرع السير روبرت إلى مدينة جوبا ليطفئ نار أول تمرد في تاريخ مشكلة الجنوب السوداني، ففي أغسطس 1955 هاجمت مجموعة من صف الضباط والجنود الجنوبيين في مقر رئاسة «الفرقة الاستوائية» في مدينة توريت الضباط الشماليين بمن فيهم قائد الفرقة، وكانت تلك الشرارة ايذاناً بتمرد شامل في أنحاء أخرى من الجنوب انتهى إلى مذبحة ذهب ضحيتها أكثر من 350 من المواطنين الشماليين معظهم مدنيون. ولم تخمد نار التمرد إلا بعد ان أصدر الحاكم العام السير روبرت نداء حازماً موجهاً بصفة خاصة إلى العسكريين الجنوبيين. لكن لن نفهم قيمة هذه الخطوة البريطانية إلا إذا نظرنا فيها كجزء من السياق العام للمرحلة الأخيرة من سياسة الادارة البريطانية الاستعمارية تجاه جنوب السودان. كانت نقطة البداية العملية لهذه المرحلة في عام 1947 فيما أطلق عليه برنامج العشرين عاماً، وكان الهدف الأكبر لهذا البرنامج تحقيق حالة اندماج كامل على مدى عقدين بين الشمال والجنوب وفق برمجة موضوعة على الصعد الاقتصادية والتربوية والدستورية. وبدأ العمل على الفور، فعلى الصعيد الاقتصادي انشئت «لجنة مشاريع الاستوائية» لتتولى الاشراف على اقامة صناعات نسيج وتعليب في الجنوب بغرض خلق نواة طبقة عاملة جنوبية موازية للطبقة العاملة في الشمال وعلى الصعيد التربوي تقرر توحيد نظامي التعليم في الشمال والجنوب ابتداء من المستوى الثانوي. فأنشئت أول مدرسة ثانوية في الجنوب رومبيك الثانوية ـ كنموذج طبق الاصل لرصيفاتها في الشمال. أما على الصعيد الدستوري فقد تقرر للمرة الأولى انشاء برلمان على مستوى قومي يجمع نواباً شماليين وجنوبيين على أساس انتخابات عامة تجرى في جميع انحاء البلاد في تزامن موحد. تلك كانت الخطوات الاستهلالية لبرنامج شامل كان مقدراً له ان يؤدي على مدى عشرين عاماً من التطوير المخطط مسبقاً في جميع المجالات الحيوية إلى خلق حالة من الانسجام القومي بين الشماليين والجنوبيين في اطار دولة موحدة لكن ثمة أحداثاً جساماً أحبطت هذه البرمجة، ومن ثم اتخذت الأمور اتجاها آخر حتى بلغت ذروتها في اندلاع تمرد 1955. كان الحدث الزلزالي الأعظم الذي تفرع عنه ما بعده من تطورات هو قيام الثورة الناصرية في مصر في عام 1952 فقد كانت ايذاناً بعهد تفاوضي جديد بين بريطانيا ومصر بشأن مصير السودان. وانتهت العملية التفاوضية بين الدولتين في مطلع عام 1953 إلى ما يسمى «اتفاقية السودان» التي نصت على تصفية الوجود البريطاني في السودان خلال أربع سنوات على الأكثر (اكتملت التصفية فعلياً خلال ثلاث سنوات). ومعنى هذا ان برنامج العشرين عاماً البريطاني لتحقيق عملية الاندماج الشمالي الجنوبي توقف عملياً في عام 1953 أي بعد ست سنوات فقط من أجله المقرر. ويمكن القول ان التمرد الجنوبي الأول في عام 1955 ما كان ليقع لولا مسلسل الأحداث الجسام الذي انطلق من القاهرة في يوليو 1952. وإذا كان هذا هو ما يرويه التاريخ فإني شخصياً أجد من الصعب اتهام بريطانيا بأنها دبرت عمداً وعن سوء قصد أول تمرد في تاريخ مشكلة جنوب السودان.