في مثل هذه الأيام منذ 117 سنة ـ شهدت العاصمة الألمانية برلين انعقاد مؤتمر ضم عددا من دول غرب أوروبا وعلى رأسها كل من انجلترا وألمانيا وفرنسا وبلجيكا والبرتغال. جاء انعقاد المؤتمر ختاما لسلسلة من الاجتماعات والمشاورات التي كانت قد بدأت منذ 15 نوفمبر من عام 1884.. بعد عامين وشهرين من احتلال بريطانيا لمصر عقب الثورة العرابية وبعد ثلاثة أعوام من احتلال فرنسا لتونس. ولا غرو فقد كانت تلك هي مرحلة انتشار النفوذ الاستعماري لغرب أوروبا ـ الانتشار الذي نشطت، بل هرعت في اطاره، تلك الدول الامبريالية بحثا عن مصادر ثرية ومتاحة لمن يملك القوة العسكرية، من المواد الخام وكذلك بحثا عن أسواق لتصريف المنتوجات التي تصدر عن مصانع ومعامل الرأسمالية الغرب ـ أوروبية ـ خامات بغير حدود وأسواق بغير منافس لتلك القوى الرأسمالية الاستغلالية التي كانت قد أفادت من تطورات الانقلاب الصناعي المستخدم لطاقة البخار منذ أوائل القرن التاسع عشر ـ وبعدها نمت وازدهرت ثم استشرت الى حيث سيطر أركانها وفعالياتها على المنظومات السياسية ـ الاقتصادية في أوطانها الأووربية وفي اطار قوتها ونفوذها الجديد ـ عمدت الى تعبئة جيوشها وأساطيلها لبسط وتوسيع نفوذها الامبريالي فيما وراء البحار، وكأنها بذلك تترجم المقولة الشهيرة المأثورة عن الزعيم الروسي فلاديمير لينين: ان الاستعمار هو اعلى مراحل الرأسمالية. مخطط التواطؤ الدولي ولقد كان مؤتمر برلين الذي اشرنا الى التئام عقده في عام 1885 مساحة للتفاهم بل هو التآمر بل التواطؤ بين تلك القوى الأوروبية لكي تقوم بعملية (تنظيم) وبجهود من أجل (تقنين) اطماعها التوسعية في قارة أفريقيا التي كانت مطمحا أو بالأدق مغنما من حيث الخامات والأسواق والنفوذ السياسي على السواء. في اطار المؤتمر المذكور بحثوا بالذات قضية حوض نهر الكونغو وكانت تلك المنطقة من غرب افريقيا قد دخلت ضمن مناطق النفوذ وبوصفها ممتلكات شخصية.. نعم شخصية ترصع تاج ليوبولد الثاني ملك بلجيكا في تلك الايام الذي بسط نفوذه على المنطقة بكل ثرائها الطبيعي من حيث المواد الأولية الزراعية والغابية والمعدنية وجعلها بمثابة ضيعة تابعة له شخصيا وأطلق عليها اسم دولة الكونغو..(الحرة)! دعوة الاستعمار العتيق في مؤتمر برلين بسط المؤتمرون خريطة القارة الافريقية فوق طاولتهم المشتركة.. شرعوا اقلامهم وكأنها خناجر القراصنة يهدف كل منهم الى انتزاع قطعة منها لينالها بقصد الاستعمار والاستغلال لم يكن صدفة ان كان أول الداعين الى انعقاد الاجتماع هو البرتغال، التي كانت رغم ضيق مساحتها في شبهة جزيرة ليبريا، ورغم خمول ذكرها في سياسات القارة الاوروبية ـ كانت تحتل مركزا يمكن وصفه بانه (عميد رابطة الاستعمار العتيق) والوصف مستلهم من كتابات علامة الجغرافيا السياسية الراحل جمال حمدان.. لكن الذي فاز بجوائز المؤتمر حقا كان بلجيكا التي كرست حيازة مليكها ليوبولد وابنائه لأرض الكونغو وعلى امتداد ثلاثة أرباع قرن (حتى الاستقلال على يد الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا في عام 1960) ومعها كل من انجلترا التي أطلقوا يدها في مناطق شرق افريقيا ثم فرنسا التي ظلت مطلقة اليدين في اصقاع غرب افريقيا وحين خرجت منها سياسيا في مستهل ستينات القرن الماضي ـ بقيت فيها ثقافيا ولغويا في اطار مؤسسة الفرانكفون الشهيرة التي تجسد رابطة الثقافة الناطقة بالفرنسية بين فرنسا ـ الأم وبين مستعمراتها السابقة في افريقيا واسيا. ومن مفارقات المقادير أن ألمانيا ـ وهي مضيف المؤتمر المذكور وراعية ودافع مصاريفه لم تكد تستفيد منه الكثير.. صحيح انهم اعطوها مستعمرات لحسابها ـ في تنجانيقا بوسط افريقيا وفي الكاميرون، بيد ان هزائم ألمانيا القيصرية في الحرب الكونية الأولى ثم ألمانيا الهتلرية في الحرب الثانية افضت الى خسارتها مستعمراتها التي مالبثت ان احتلتها وقتها قوات الحلفاء المنتصرة ولا سيما انجلترا وفرنسا على أساس المبدأ الطبيعي ـ البديهي ان الويل، كل الويل ـ للطرف المهزوم.والحاصل أن وقائع مؤتمر برلين عام 1885 ـ دارت لاهثة متلاحقة، يحاول كل طرف فيها ان يسبق سائر الفرقاء الى قطعة هنا أو بلد هناك من جسد القدرة السوداء المهيضة فوق كرة الأرض.ورغم ان المؤتمر حمل يوم انعقاده اسم مؤتمر برلين المعنى بغرب افريقيا.. الا انه دخل التاريخ الدولي العام باسم آخر. هو: مؤتمر التسابق على افريقياواحيانا يطلق عليه المؤرخون اسم مؤتمر (التدافع) ان لم يكن (التكالب) على افريقيا. وهو في اسمه الأصلي بالانجليزي يحمل مصطلح (سكرامبل). الايكونومست وعام 2002 ولعل هذا اللفظ كان في ذهن مؤسسة (الايكونومست) البريطانية حين نشرت في كتاب استطلاع عام 2002 الذي اصدرته الشهر الماضي موضوعا طريفا ومفيدا حول رحلة تمت في ارجاء القارة الافريقية واختارت له عنوانا يقول في أصله الانجليزي (راميل) في افريقيا. وفي العنوان نوع من الجناس كما يقولون في علم البديع العربي، والفرق بداهة هو حرفا السين والكاف بين اللفظتين.. ولكنه فرق شاسع بكل المقاييس، فما أبعد اليوم وهو مطلع الالفية الثالثة عن البارحة وكانت ـ كما ألمحنا ـ السنوات الخمس عشرة الاخيرة من القرن التاسع عشر.. حكاية (سكرامبل) وهو فرق بين سباق متدافقا الى حد التكالب محفوف بالاطماع ونوايا القهر والبطش والنفاق والاستغلال الاستعماري لافريقيا ـ الأرض والشعب والموارد وبين حكاية (سكرامبل) ومعناها.. رحلة أو جولة بقصد الفهم والمعرفة والمتعة الروحية والاطلاع والتفاعل مع واقع القارة السوداء ـ الأرض والشعب.. وآفاق المستقبل أصل الحكاية ـ وقد تفيد منها أوساطنا العربية المعنية ـ هو الجائزة التي تشارك في تحكيمها وتقديمها مؤسسة الايكونومست البريطانية للصحاف في شركة رويال دتش /شل الهولندية للبترول. ميزة الجائزة ـ في رأينا ـ انها لا تمجد الماضي ولا تكرس الحاضر ولكن يتم اهداؤها الى أفضل مقال مكتوب في ميدان (النقل والسفر) حيث تتوخى الجائزة هدفا تلخصه الايكونومست في عبارة موجزة تقول: ـ انه التشجيع على التفكير والحوار حول المستقبل. في هذا الاطار يتسع الهدف لكي يشمل المعالجة ـ من منظور مستقبلي كما قد نسميه ـ لمشاكل المدن (البيئة والصحة والتخطيط وآفاق التنمية والتحول الحضري.. الخ) ولقضايا السفر والسياحة وسبل النهوض بها من منطلق رؤية رصينة حتى ولو كانت ذاتية ولكنها ليست دعائية أو اعلانية بحال من الأحوال فضلا عن دور تكنولوجيا المعلومات في مثل هذه المجالات. ولا بأس من التعرض ـ كما تضيف المؤسسة الاعلامية البريطانية ـ الى دور المرأة في مقاربة مشاكل النقل والاتصالات في زماننا. يفصل في أمر المتسابقين 8 محلفين يشترط فيهم ان يكونوا قد سبق لهم الفوز بالجائزة وهم وحدهم المؤهلون لتحديد اسم الفائزين بها حيث ينال أول الفائزين مبلغا نراه ـ من جانبا متواضعا بعض الشئ وهو 20 ألف دولار. وبالمناسبة فهذا هو العام الثاني فقط من عمر الجائزة وقد فازت بها هذه المرة كاتبة شابة من استراليا اسمها (ماري ريدوين) التي اختارت ان تكتب عن القارة المناضلة السوداء تحت العنوان الذي المحنا اليه وقد تترجمه على النحو التالي: ـ زيارة .. تأملية ـ الى افريقيا ولانها زيارة فإنها تحوي عناصر السياحة والفرجة والمشاهدة في البر والغابة والبحر ـ خاصة بالنسبة لكاتبة جاءت الى القارة من جنوبي العالم لأنها تأملية ـ فهي تتسم بايقاع وئيد.. ونبرة معرفية وروح رومانسي وشعور بدفء التواصل بين الإنسان والزمان والمكان. من استراليا الى افريقيا (ماري ريدوين) جاءت الى سواحل افريقيا على متن يخت خاص شديد التواضع برفقة زوجها.. شدوا رحالهم عبر المحيط الهندي من غربي استراليا الى شرقي أفريقيا.. استقرت الرحلة سنتين بالتمام والكمال.. ولا عجب فالشابة الآتية من استراليا ليست ـ كما تقول ـ في عجلة من أمرها.. كم تبغض السياحة السريعة.. يأتي السائح متعجلا وكأنه موكّل بجولة تفقدية يفتش فيها على أحوال البلاد ومعايش العباد لا يكاد يناله من زيارته العجلى سوى عدد من بطاقات الكارت بوستال.. وربما أكبر عدد ممكن من تلك البطاقات التي تحمل المشاهد والمعالم السياحية للبلد ـ الهدف.. مناظر بلا روح التقطتها عدسة تجارية تحاول تزويق المكان بل تجهد لكي «تبيعه» الى الغرباء بقصد الربح ليس إلا.. والسائح المتعجل ـ أو جناب السائح المفتش كما نسميه ـ ملهوف على ارسال هذه البطاقات الملونة المصقولة الى أكبر عدد من أصدقائه في البلاد مشفوعة بالعبارات الشهيرة تحياتي لكم من ـ المكان الفلاني.. وبديهي أن البطاقات البريدية ترسل مفتوحة بغير مغلفات وبديهي أن يقرأها كل من تقع في يده وفي مقدمتهم طبعا سعاة البريد.. هنالك لا دفء ولا خصوصية ولا ألفة بل المسألة في مضمار السياحة السريعة ـ الزيارة المتعجلة أقرب الى البروباجندا أو تسجيل المواقف تحت شعار «كنت هناك». فن السياحة الوئيدة «ماري ريدوين» تحط في يخت الأسرة البسيط عند شواطئ كينيا على ساحل المحيط الهندي تجوس وئيدا ـ بشوق المعرفة وروح التأمل بين مسالك قرية افريقية تحتسي فنجان القهوة في مشربها المتواضع.. تعاين ثوبا بسيطا من القطن المحلى كي تشتريه.. تجتاز الأكواخ المصنوعة من الطين عبر ساحات الشامبا (الزراعات المنبسطة في لغة السواحيلي) كم يفرحها مرأى أطفال القرية وهم يمرحون.. وكم يمس قلبها منظر الرجال المسنين وقد علا بياض الشيب الوقور وجوههم الداكنة السمرة وقد تمكنوا من حشائش الأرض يقطعونها ثم انصرفوا يطعمون الماشية في حنو بالغ وفريد. سعيدة هي ـ كما تقول في مقالتها الفائزة بالجائزة ـ إذ تمضي في خطاها البطيئة تتأمل هذا الاسلوب من أساليب الحياة.. على الأقل هي تخطو فوق أرض وتكاد تتنسم الرائحة الغريبة المنبعثة من الطين والغابة وأمواج المحيط كم أمضت أياما وأسابيع بعيدة آلاف الأميال ـ كما تقول ـ عن كل ما يحتاجه الانسان في زماننا المعاصر.. في أعالي المحيط تمضي سفينتها دون أن تلمح دكانا ولا مطعما ولا مصرفا.. ولا محلا للكوافير! و.. هكذا المرأة.. حتى ولو كانت وسط أنواء البحر المحيط.. مع ذلك يكاد يتغشاها طائف أقرب الى السحر الأسطوري حين تحط رحالها وزوجها الى جزر الملديف (على بعد ألف كيلو متر جنوب غرب سريلانكا) إنها لا تنسى مثلا كيف قيض لها أن تحتسي فنجان قهوتها هناك قرب فوهة بركان ـ خامد بطبيعة الحال أو يوم أن جمعها مجلس مع أستاذ جامعي راجح العقل غزير المعرفة رقيق الحال لدرجة تبعث على الصدمة ازاء ظاهرة الفقر والارتياع! تعرف تماما أن الفقر هو الذي يصادفها.. أول من يصادفها عندما يصل سفينها الى هذا المرفأ أو ذلك الميناء عبر مساحات المحيط الهندي المواني هنا اسلامية أو عربية أو افريقية وقد يجمع موظفيها بدورهم رابطا من رقة الحال.. هذه البيروقراطية ـ كما تسميها صاحبتنا الاسترالية قد تمد يدها طلبا لبعض المال كي تيسر اجراءات الدخول الى الميناء ولكن ما أبعد الفرق بين هؤلاء المساكين وبين ما تطالعه المثقفة القادمة من استراليا من محتويات مؤشر الفساد العالمي الرهيب الذي تعكف على نشره بوسائل شتى هيئة ترانسبيرنسي انترناشيونال التي تتخذ مقرها في العاصمة الألمانية برلين ـ وهي المنظمة غير الحكومية التي ترفع شعار الشفافية بعد أن ندبت نفسها لمتابعة ظاهرة الفساد ونشر عرض بياني حول استشرائها العالمي أو الكوكبي عبر النظم والأقطار والأمصار. عن السياحة والفقر مرة أخرى تحذر السيدة «ريدوين» من مغبة السفر المتعجل والسياحة السريعة تعترف مسبقا أن هذا زمان العجلة في السفر والسياحة وأن جمهرة من الزائرين باتوا يقصدون أقطارا فقيرة ما زالت بكرا بالنسبة للسياحة وأصبح اعتمادها على ذلك المورد السياحي في ضوء التطور الخطير الذي طرأ على قطاع الخدمات ـ القطاع الثالث أو الثالثي كما يسمونه أحيانا بعد الزراعة والصناعة للحصول على قيمة مضافة تعزز الناتج القوي الاجمالي وتشكل موردا معقولا لتلبية احتياجات الناس واستمرار الحياة ولو على مستوى أبسط الضروريات المشكلة أن السواح يأتون متعجلين ينزلون في فنادق متعددة المراتب حسب عدد النجوم والتصنيفات .. لكن هل ساءل واحد منهم نفسه يوما حتى ولو كان ينزل في فندق متواضع وبسعر متهاود أو رخيص: ـ كيف يعيش الناس هنا؟..ولو طرح على نفسه السؤال لألفى نفسه إذ يحتسي قدحا من الحساء أن الثمن الذي يدفعه لحسائه يمكن أن يوازي أجر يوم كامل للشاب الذي يقوم على خدمته طوال ساعات وساعات. تلخص ماري ريدوين رؤيتها حين تضيف قائلة: ـ .. بدلا من أن تؤدي السياحة (المتعجلة) الى التقريب بين الناس ومن ثم تيسير المزيد من التفاهم والوعي المشترك بين الشعوب إزاء قضايا عالمنا أو كوكبنا، فإنها ـ في رأيي ـ تؤدي الى المزيد من انقسام الناس وبشكل حاد للغاية، الى أغنياء وفقراء. وبفضل هذه النظرة التأملية فهي تتابع الظواهر الطبيعية ـ بل اليومية بقدر تحسد عليه من التعمق والعرفان ـ تختم مقالتها بسطور تقول: ـ في كل صباح.. أطالع معجزة الشروق.. تسترد الأرض ألوانها بعد ساعات الظلام.. يعود اللون الأزرق ليكسو أولا صفحة السماء ثم يتلوه اللون الأصفر يلوح من جهة الشرق ويأتي من بعدهما تلك الحمرة المفعمة بالحيوية مبشرة بطلوع شمس الصباح الوليد ومنطوية على ذلك الحزام من السكينة والأمان الذي يربط بيني وبين كوكب الأرض. ـ كاتب سياسي من مصر