خبران طالعتنا بهما صحف الأمس، الأول يدق كل نواقيس الخطر وينذر من عقوق من نوع آخر، يفوق كل أنواع العقوق التي نسمع عنها تبدر من الأبناء تجاه الآباء، عقوق وصل حد التعدي بالضرب، بطله ابن عاق وعدد من أصدقائه، أثبت الموقف انهم رفاق سوء، أقدموا جميعاً ودون أدنى رحمة أو وازع من دين أو خجل من مد ايديهم على رجل مسن فأحدثوا به اصابات استدعت نقله الى المستشفى لتلقي العلاج، وزادوا على تنكيلهم به تحطيم سيارته. حالة نتمنى من الاعماق ان تكون فردية وشاذة فلا مجتمع يقبلها، ولا عقل يستسيغها ولا منطق يعقلها لانها ببساطة شديدة حالة غريبة على عادات اهلنا وبعيدة عن اخلاقياتهم وتتنافى تماماً مع مواقفهم التي لا تقبل للكبير إلا كل الاحترام والتقدير، احترام يتزايد يوماً بعد يوم وتقدير يتضاعف كلما وهن جسد الكبير وضعفت قدرته على حماية نفسه والدفاع عنها.. فبهم تحل البركة على البيوت.. اما الخبر الثاني فيشير إلى أب يبلغ عن ابنه الشاب لعلاقته بمقتل امرأة اجنبية، دافعه في ذلك الخوف من الله اولاً وحبه وإخلاصه لوطنه والحفاظ على امن بلده ثانيا وكذلك حبه الكبير لابنه، فكان قراره بحمايته من نفسه وسلوكه وبالتالي تبليغ السلطات بما حدث، ليضرب بذلك مثالاً رائعا على أن حفظ الامن وتحقيق العدالة هي واجب الجميع ومسئولية ينبغي ان يتحلى بها كل افراد المجتمع، وليعطينا درساً ان القسوة والشدة في تعامل الابناء لا تعنيان بالضرورة بغضهم وكرههم، بل قد تكون بدافع الحب، فمنع من نحب من ظلم الآخرين والمضي في الغي هو منتهى الحب، واعادة حق اضاعه من نحب الى صاحبه هي غاية العدالة. إذن فليس أقل من ان نشد على يدي هذا المواطن ذي السريرة النقية، نقاء تراب هذا الوطن، ونفسه الصافية، صفاء هواء هذه الارض التي لا تحتمل سوى كل ما هو جميل وعادل وطيب، ولا تقبل على سطحها الا كل ما هو كفيل بإشاعة الحب بين من يعتلونها ويعيشون في ربوعها ويستنشقون جميل رحيقها. نعم انها النقائض التي تملأ حياتنا من خير وشر وسييء وطيب.. جميل وقبيح، مقبول ومرفوض.. قبول لمحبة مغلفة بشيء من القسوة، ورفض للقسوة وإن تأطرت بإطار من حب زائف غير حقيقي. هي النفس البشرية التي لا يعرف ما في قرارتها سوى خالقها، ولا يطلع عما تحمله سوى اصحابها، انما الثابت الذي لا يختلف عليه اثنان هو وجود الخير في النفوس إلا انها مجبولة عليه، خير لا شك انه عائد وإن اختفى لحين، هو السائد لابد وإن ساد غيره لحين.