أصبح الهجوم على الاسلام والتحريض على ملاحقة وضرب أهله مجالاً للتنافس والتميز بين عدد من الرموز السياسية في الغرب، بعضهم وجدها فرصة للخروج من «التابوت» والموات السياسي، والعودة الى الاضواء، وغيرهم وجدها فرصة لنشر أفكاره الضيقة المشبعة بالعنصرية ضد الحضارة الاسلامية، وللتبشير بنموذج أوروبي امريكي، أو على الاصح نموذج أنجلوسكسوني يفوق عنصرية النازية. وتوّحد النافخون في بوق العداء للإسلام والمسلمين، على عزف لحن واحد، وان اختصت كل جوقة بإيقاع وتنويعات، فمنهم من ركز هجومه على «التشدد» والتطرف» الاسلامي باعتباره مرادفاً «للإرهاب» وآخرون توسعوا في الهجوم ليطال دولاً وشعوباً عربية وإسلامية، باعتبارها دولاً «حاضنة» للإهاربيين ومصدرة للارهاب. وانفرد البعض من ساسة وكتّاب الغرب بإعلان الحرب الشاملة على الإسلام ذاته كحضارة ودين وطريقة حياة وسلوك، وانطلقت منهم في «فلتة» لسان تعبيرات مثل: الحرب الصليبية أو الدفاع عن حضارة الغرب في وجه البربرية الاسلامية، ولم يغير من امرهم شيئاً، اعتيادهم العودة عقب كل «فلتة» لسان الى الاعتذار للمسلمين الطيبين، الذين لا تصدر عنهم أهة حتى ولو أهينوا؟ وتقديرهم للاسلام كدين طالما ظل محصوراً في اداء الشعائر. واصبحنا نحن كعرب ومسلمين مطالبين دائما بإثبات حسن النوايا، وتقديم أدلة البراءة من تهمة الارهاب، وهي أدلة لا حصر لها، تبدأ بالإذعان لكل ما يُفرض علينا، وتنتهي بالسماح للآخر بتنقية عقيدتنا مما يعتبرونه اسساً لتفريخ «الارهاب» الذي تحول من معناه الواضح المرفوض اسلاميا، حيث يجرم من يقتل نفساً بريئة بغير حق، الى معنى مراوغ ومضلل حيث يستهدف كل من يتصدى للدفاع عن حقوقه ومقدساته، او حتى يجاهر بمعارضة بعض السياسات الدولية، وربما لأسباب لا علاقة للأديان بها. وكمثال صارخ على الخلط المتعمد، وللتحريض المبرمج ضد الاسلام وأمته، طالعتنا رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر (1979 ـ 1990) بعد ان سكتت دهراً، تعاني من عزلة وامراض التقاعد السياسي، وهي كانت في قلب الاضواء يلتصق بها لقبها التاريخي «المرأة الحديدية» بمقال كمنشور افتتاحي للحرب الصليبية الجديدة. واختارت تاتشر رمز اليمين الانجلوسكسوني المتطرف العودة للأضواء بمقالها التحريضي في صحيفتي «نيويورك تايمز» و«الجارديان» وعنونته بـ «الإسلامية هي البلشفية الجديدة» معلنة بيقينها الراسخ أن الحملة لاستئصال الارهاب يجب ان تنتهي في العراق وسوريا وإيران وليبيا، وفي أي بلد توجد به جماعات تعادي الحضارة الغربية، وهي تحدد ما في النموذج الذي يتجسد حالياً في رؤية اركان اليمين الامريكي الانجلو ـ سكسوني، وهي احد رموزه. وكما يقولون يُستبان الكتاب من عنوانه، تكشف المرأة التي كانت حديدية عن مكنونها، عندما تضع الاسلام مع البلشفية في كفة واحدة، وتفضح هدفها واملها في إلحاق الهزيمة بالاسلام كما حدث للبلشفية من انهيار. والبلشفية التي تقصدها تاتشر هي الثورة الروسية الكبرى، أحد أهم احداث القرن الماضي، والتي بشرت بانتصار قيم العدالة والانسانية والمساواة والتصدي لقوى القهر وسرقة الشعوب المستضعفة، وساهمت في دعم حركات التحرر الوطني في وطننا وفي افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث سقطت امبراطوريات الاستعمار القديم. ودون الخوض في نجاحات واخفاقات الثورة الروسية، فإن اصرار تاتشر على المزج بينها وبين الاسلام، يعكس خللاً في الرؤية وجهلاً بالتاريخ، فمن جهة فإن البلشفية نظرية سياسية اقتصادية ذات اطار فلسفي، فيما الاسلام بكل تفريعاته عقيدة دينية ورسالة سماوية خالدة، الى ان تحل نهاية كوننا، ليبدأ ميقات الابدية، والحساب الأخروي. والبلشفية لم تكن نظرية أو تنظيراً للارهاب بل حركة لتغيير الواقع ورفع الظلم الذي جسدته نظم حكم عضوض افقرت شعوبها، واخرجت اقطارها من سياق النهوض والتقدم، والاسلام من جانبه ليس بحاجة لبرهان على كونه دين التسامح والحوار الحضاري. السيدة الحديدية الغارقة حتى النخاع في العداء لكل الحركات والافكار والطموحات المحرضة على التغيير والدافعة لبناء حضارة انسانية مطهرة من كل ارث عنصري، تعيد تاتشر هواجس الحرب الباردة. وتصر على استبدال العداء لـ «البلشفية» بالعداء للاسلام، وتنفخ في بوق التحريض على القصف بالقنابل لتأديب كل من يجرؤ على النطق بـ «لا» للقوة الاعظم. ولن يدهشنا، لو عادت المرأة الحديدية مثلما عاد سيدها، لتسوق القسم الكاذب وتقول انها تحترم الاسلام والمسلمين، ولم تكن تقصد سوى الارهابيين، ساعتها لن ننسى انها «نافخة البوق» لبدء حرب تسحق العرب والمسلمين في سوريا وليبيا والعراق... وفلسطين وكل عربي مسلم مازال ممسكاً بجمر الكرامة وحكمة الرفض لثقافة الهوان والخنوع.