في مساء 31 يناير عام 1979 وقف ياسر عرفات في شرفة مسكنه في بيروت واطلق عدة طلقات من مسدسه ابتهاجا بحدث ترددت اصداؤه في انحاء العالم الاسلامي. ففي ذلك اليوم وطئت أرض العاصمة الايرانية طهران قدما آية الله الخميني بعد 14 عاماً في المنفى. كانت تلك الذروة الأولى للثورة الشعبية الايرانية التي بلغت نجاحها النهائي بعد اسبوعين من عودة الخميني. واحتفال عرفات بالثورة الايرانية كان مرده الى اعتبارين مرتبطين عضويا: أولا، ذهاب عهد الشاه رضا بهلوي الذي كان أكبر وأخطر حليف لاسرائيل في الشرق الأوسط، وثانيا ظهور نظام ثوري جديد في المنطقة تتصدر بنود اجندته الاسلامية القضاء على دولة اليهود وتحرير القدس. ولكن، إذا كان التاريخ قد قدم لمنظمة التحرير الفلسطينية فرصة عظمى نادرة النظير لاستقطاب ظهير ثوري اسلامي من أجل تعزيز نضالها فإن التاريخ يحكي لنا ايضا ان عرفات أساء استثمار هذه الفرصة أولاً ثم أهدرها تماما في فرصة لاحقة. فبدلاً من ان يتعامل القائد الفلسطيني مع الثورة الايرانية كحليف استراتيجي ثابت ويمضي انطلاقا من ذلك في نسج علاقة تحالفية بين النظام الجديد ومنظمة التحرير في مواجهة التحالف الاسرائيلي الامريكي فإن الهاجس الأكبر الذي استبد به منذ وقت مبكر من عمر النظام الثوري الايراني هو كيفية استرضاء الولايات المتحدة عن طريق استغلال علاقته مع قادة العهد الجديد في طهران. وكانت النتيجة النهائية ان عرفات إذ أغضب القادة الايرانيين فإنه لم يحصل على الرضا الامريكي المنشود. من الوهلة الأولى ابدى قادة الثورة الايرانية حماسة جادة تجاه قضية المصير الفلسطيني واستعدادا بلا تحفظ للدخول في برنامج عمل مع منظمة التحرير. ومن المؤشرات المبكرة في هذا السياق ان عرفات حط في طهران بعد خمسة أيام فقط من إعلان قيام النظام الثوري الجديد في 12 فبراير 1979 كأول زعيم اجنبي يتاح له هذا الامتياز. ولكن قبل أقل من مرور عام على الثورة بدأت التناقضات تظهر بين الرؤيتين العرفاتية والخمينية للعالم، فبينما كانت الثورة الايرانية تطرح نفسها في هذه الاثناء كخصم ضد «الشيطان الاكبر» كان عرفات يقدم نفسه عمليا كمحام للولايات المتحدة. حادثة احتلال السفارة الأمريكية في طهران في أواخر عام 1979 بواسطة طلاب ثوريين ايرانيين واحتجاز 52 دبلوماسيا داخل مبانيها كانت نقطة الصدام الأولى بين عرفات وحكومة الثورة الايرانية. بعين استغلالية رأى عرفات في المشهد فرصة لاسترضاء ادارة الرئيس كارتر عن طريق تقديم خدمة لها استثماراً لعلاقة منظمة التحرير المتميزة مع طهران فأرسل عرفات مبعوثاً خاصاً هو هاني الحسن لاقناع القادة الايرانيين باطلاق سراح الدبلوماسيين الأمريكيين. في البداية كان رد فعل القادة الايرانيين اندهاشاً لكن سرعان ما تحول الاندهاش إلى غضب فقد اعتبروا المسعى الفلسطيني نيابة عن واشنطن «لعبة قذرة» وقال هاشمي رفسنجاني لهاني الحسن: انتم من المفترض ان تكونوا ملائكة فكيف تسمحون لأنفسكم بخدمة «الشيطان الأكبر»؟ ومنذ ذلك الحين أخذت علاقة منظمة التحرير مع ايران في الفتور ثم القطيعة شبه الكاملة حتى اليوم. وبعد أقل من سنة من حادثة الرهائن الأمريكيين وتداعياتها السالبة على صعيد العلاقة الفلسطينية الايرانية شنت القوات العراقية هجوماً ضارياً على الأراضي الايرانية في سبتمبر 1980 مدشنة حرب الخليج الأولى التي امتدت لثماني سنوات. هنا تحولت العلاقة الفلسطينية مع ايران إلى عداء صريح بعد ان اتخذ عرفات موقفاً مناصراً للعراق بالكامل باعتباره «البوابة الشرقية» لحماية الوطن العربي. وهكذا اختلت حسابات الرئيس عرفات تجاه الثورة الايرانية فدور الوساطة الذي قام به بين إيران والولايات المتحدة بشأن الرهائن الأمريكيين لم يكن في محله في تلك الأيام الأولى الملتهبة في عهد الثورة بينما كان الأجدر به ان يكون وسيط سلام بين العراق وإيران كطرف يحظى بقبول واحترام الخصمين عوضاً عن الانحياز لخصم هو في الحقيقة الذي ابتدر الحرب.