منذ الحادي عشر من سبتمبر الماضي دخل العالم في موقف حرب، موقف لم يسبق له مثيل في عولمة الإعلام والاتصالات الخاصة وبموقف من الدعاية المتبادلة. فصور البعض يتم استقبالها بشكل منتظم لدى الآخرين، والارهابيون يستغلون وسائل الاعلام مثلما يفعل أعداؤهم، ولكننا نعرف جيداً ان وسائل التقنية الحديثة ليست هي ما سمح بالديمقراطية ولكن الاستخدام السياسي لها هو الذي حقق ذلك. وذلك يعني ان الأهمية التي اكتسبها الاعلام في زمن الحرب تنطلق من فكرة ان من يربح الاعلام هو من ينتصر في المعركة. استخلاص دروس حرب الخليج رجال السياسة والصحفيون والباحثون وعامة الناس يتساءلون عن مخاطر الانزلاق في تغطية الصراع فبعد قضية تيميسوارا في رومانيا عام 1989 وعقب حرب الخليج عام 1990 ـ 1991 أخذ على وسائل الاعلام عدم دقتها في تغطية هذه الأحداث، فاليوم أصبح مشروعاً يتساءل المرء حول طريقة معالجة وسائل الاعلام للأزمة التي ولدتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر رغم ان الحدث لم ينته بعد. خطر الراديو والتلفزيون بالرغم من الجهود غير المسبوقة التي بذلتها الصحافة المكتوبة لضمان تغطية أفضل لحرب أفغانستان لكنها تبقى المرجع الثاني بعد التلفزيون والاذاعة وكبرى وكالات الانباء وهذا التفوق هو نتيجة لعدة أسباب هي ما يلي: ـ يمتلك التلفزيون ورقة رابحة هي الصورة، ففي هذا النوع من الحروب يكون الناس بحاجة لصور واقعية لما يجري على أرض المعركة. ـ الاذاعة والتلفزيون يتميزان بالسرعة في معالجة الاخبار وهما قادران في أية لحظة على قطع برامجهما الاعتيادية والتعليق على الأحداث. ـ قرب الحدث يشكل أيضاً عنصراً مهما يمنح وسائل الاعلام المرئية ميزة التفوق. بيد ان للتلفزيون مخاطر في تغطية الصراع تؤكده فتسون اير فويه مسئولة السياسة الخارجية بمحطة التلفزيون الفرنسية «ال سي اي» بقولها: البعض نصبوا أنفسهم خبراء في مسألة الارهاب حيث تصل درجة الكفاءة المشكوك بها لدى هؤلاء إلى الاحتيال والخداع الصريح، فكل واحد منا يتذكر الأداء الرديء الذي يدعو للرثاء لجنرالات الجيش المتقاعدين الذين كانوا يعلقون بشكل مباشر ومتواصل على أحداث حرب الخليج اعتماداً على معلومات غير كاملة أو لم يتم تحري صحتها وأحياناً زائفة. لكن منذ الآن فصاعداً فإن جميع الصور التي تظهر على التلفزيون يشار إلى مصدرها كتابة على زاوية الشاشة. وإذا كان المحررون في الصحافة المكتوبة يمنحون أنفسهم الوقت لقراءة وتحري صحة المعلومات مسبقاً قبل كتابتها ونشرها فإن زملاءهم في التلفزيون مستعجلون إلى حد لا يسمح لهم بالتحقق من دقة الخبر. ومن ضمن مخاطر التلفزيون الأخرى هو ميزانية تغطية الأحداث التي يتابعها المشاهدون بشهية مفتوحة عبر برامج خاصة وتقارير من ساحة القتال، ويقول ايرفيه بروسين رئيس قسم الأخبار بمحطة التلفزيون الفرنسية «فرانس 3» أن ميزانية المحطة تفجرت بالمعنى الحرفي للكلمة. ومع ذلك فإنه في اللحظة التي اخترقت فيها النفقات المخصصة لمعالجة الأزمة الأفغانية السقف المحدد لها فإن السقوط العنيف لسوق الاعلانات كبد وسائل الاعلام خسائر جسيمة. الصحافة المكتوبة استجابت كالتلفزيون الصحف لحاجة الناس لمتابعة أخبار الحرب باصدار ملفات خاصة وساخنة أهم بكثير مما نجده في الأوقات الاعتيادية، ففي فرنسا على سبيل المثال ضاعفت الصحف اليومية من عدد نسخها المطبوعة، فقد طبعت الصحف أربعة ملايين نسخة يوم الأربعاء الثاني عشر من سبتمبر مقابل مليوني نسخة في الأسبوع في الظروف الاعتيادية، أما دورات التوزيع فقد تضاعفت مرتين على غرار ما يحدث في اليوم التالي للانتخابات الرئاسية. وقد فرغت أكشاك الصحف بسبب النهم المتزايد لمتابعة الحدث وأعيد تزويدها بنسخ جديدة في نهار يوم الأربعاء. والصحيفة الأقرب لليسار وهي «ليبراسيون» سحبت من طبعتها الأولى خمسمئة ألف نسخة صباح يوم الأربعاء التالي للهجمات مقابل 220 ألف نسخة في الأيام الاعتيادية قبل ان يتم سحب أربعين ألف نسخة اضافية في بداية فترة الظهيرة. أما طبعة صحيفة «الفيجارو» فقد وصلت إلى 660 ألف نسخة مقابل 380 ألف نسخة في الظروف الاعتيادية. وصحيفة «لوموند» التي صدرت يوم الخميس ضاعفت طبعتها لمليون و 62526 نسخة، وذلك يظهر ان الصحافة المكتوبة لم تفقد قاعدة قرائها بالرغم من المنافسة القوية للتلفزيون والاذاعة، وذلك لأن القارئ يرغب بمطالعة متأنية وموضوعية للأخبار وهو ما لا يجده اطلاقاً على الشاشة الصغيرة. وهذا التطور حدث بالطريقة نفسها في الصحافة العربية، فالقارئ العربي الذي يتابع «الحياة» أو الصحف الأخرى يبحث عن الصلة بين هذه الحرب والوضع في بلده، وذلك لا يتوفر إلا في صحيفة بلده، ولكن هذه الصحافة العربية المحلية تبقى معوقة بسبب عدم وجودها دوماً في مكان الحدث نتيجة نقص في المال أو في الرؤية. التلفزيون العربي فتحت قناة «الجزيرة» طاقة عمل تعددية اعلامية على مستوى عالمي هام فحقيقة انه لم يعد هناك احتكار من قبل محطة الـ «سي ان ان» للأخبار وان هناك محطات تلفزيون أخرى مثل «الجزيرة» وتلفزيون «أبوظبي» سمحت بالحكم على وجهة النظر الغربية للأخبار، فالمعركة الاعلامية التي احتدمت حول مسألة تغطية تصريحات زعماء تنظيم القاعدة من قبل قناة «الجزيرة» القطرية كان أول ضحية لها محطات التلفزيون الأمريكية الاخبارية أمثال الـ «سي ان ان» و الـ «ان بي سي» و«فوكس» و «صوت أمريكا» والتي وافقت على قبول مطالب البيت الأبيض بعدم بث أية تصريحات لأسامة بن لادن أو قيادات طالبان. وهذا هو السبب الذي جعل من قناة «الجزيرة» في كابول وقندهار وتلفزيون «أبوظبي» في المنطقة التي يسيطر عليها تحالف الشمال الأفضل في تقديم الخدمات الاخبارية.