خلال الاسبوعين اللذين قضيتهما في باريس اواخر يناير ومطلع فبراير من هذا العام، كنت انتقل عبر عواصم الاتحاد الاوروبي تلبية لدعوات زملاء جامعيين او مراكز بحوث أوروبية، يساعدني على ذلك ما اتخذه الاتحاد الاوروبي، من اجراء تيسير الانتقال من دولة الى دولة بدون تأشيرات ولا تعقيدات ما دام المرء يحمل معه اقامة قانونية سارية المفعول.. ومادام كذلك ومنذ مطلع يناير يستعمل نفس العملة النقدية: اليورو اينما اتجه من باريس الى ميونخ الى مدريد الى روما الى بروكسل. وكنت افكر خلال تواجدي وسط النخبة الاوروبية المستنيرة والمؤثرة في موضوع يشغل بالي واعتقد انه يشغل بال النخبة العربية والخليجية على وجه أدق وهو موضوع.. بل هو تساؤل مشروع: هل تتطابق صورة المجتمعات الخليجية التي تقدمها بعض وسائل الاتصال الغربية مع صورة المجتمعات الخليجية التي تنطبع في اذهان النخبة الاوروبية واذهان الرأي العام الاوروبي؟ وقد بدأت افكر في هذا التساؤل منذ الحادي عشر من سبتمبر حتى بدأت بعض وسائل الاتصال الامريكية والاوروبية تشيع «كليشيهات» مطبوخة وجاهزة عن المملكة العربية السعودية وسياستها الخارجية وعن مجتمعات الدول الخليجية عامة وبرامجها التعليمية، ودبت شكوك في رأسي حول تطابق تلك الصورة المشوهة مع الصورة الفعلية المستقرة في اذهان النخبة الفكرية والجامعية والسياسية المتواجدة هنا في أوروبا وتربطني بالعديد من اعضائها روابط صداقات قديمة واعمال جامعية مشتركة بحكم اقامتي الطويلة في ديار الغرب واشتغالي بالتدريس في احدى جامعات الخليج منذ عشر سنوات. كنت خلال الرحلة الاوروبية الاخيرة اقرأ ما يكتب عن المملكة العربية السعودية وعن الخليج عموما وعن العرب والاسلام بشكل اعم واشاهد برامج الفضائيات الاوروبية حول نفس المواضيع وألمس من زاوية خبرتي الاكاديمية ذلك التشويه المقصود وأكاد اعرف من يقف وراءه من اللوبيات العنصرية واليمينية الصهيونية المتمكنة من المنابر بصورة تكاد تكون وراثية وممأسسة، وهي بصدد القيام بعملها المبرمج المخطط بقصد زرع بذور العداء بين الحضارات. ومن خلال مطالعتي ـ ومشاهدتي ـ للصورة المشوهة التي تقدمها بعض وسائل الاتصال الأوروبي للرأي العام، تأكدت من تكرار نفس الانماط التي تسوقها أقلام واصوات معروفة لفرضها على مخيلة الرأي العام الغربي كأنها حقائق، مثل الربط المخادع بين برقع المرأة الافغانية وبين حجاب المرأة السعودية والخليجية عموما، ومثل الالحاح بدهاء على مصطلح طالبان اي طلب العلوم الشرعية والربط بين ذلك المفهوم وبين جهود المملكة العربية السعودية في اشاعة الدعوة المسالمة بين المسلمين اينما كانوا وبين غير المسلمين بالتي هي أحسن. وكنت وأنا مسافر بالقطار السريع الرابط بين عواصم أوروبا ومدنها الكبرى اتصفح عشرات المجلات والصحف التي تخصص تحقيقاتها وتعليقاتها لتوجهات المملكة ودول الخليج وتحاول ان تبث في بعض الاحيان صورة العداء بين مجتمعاتنا والعصر، ولكنها تقع في مطب الحقائق حين تستعرض مواقف المملكة ودول الخليج في ادانة الارهاب والتصدي له «مثلما فعلت مجلة لوبوان الفرنسية في عددها 25 يناير 2002 من ص 40 الى ص 43» او حين تستعرض قبول دولة المملكة ودول الخليج لتحدي الفضائيات العالمية بالسماح بالاطباق اللاقطة دون انغلاق ودون خوف «مثلما فعلت صحيفة لوموند الفرنسية في مقال مطول كتبه المستشرق جيل كسيبيل بعد جولته الخليجية وذلك في عدد لوموند الصادر 30 يناير 2002». واذا اردنا معرفة الانطباع الحقيقي للنخبة الاوروبية عن الخليج العربي ورسالة الحضارة العربية الاسلامية التي تؤديها المملكة وشقيقاتها الخليجيات، فاننا نستخلص ذلك من اللقاءات المباشرة التي جمعتنا بأصدقاء أوروبيين شرفاء وكان احدهم هو الصديق جاك شوميناد المرشح هذاالعام لانتخابات الرئاسة الفرنسية الى جانب وبمقابل جاك شيراك وليونيل جوسبان وغيرهما. والصديق شوميناد تعرفت عليه في باريس منذ حوالي عشرين عاما حين كنا زميلين نحاضر على منبر معهد شيلر العالمي لحوار الحضارات في اغلب عواصم أوروبا وواشنطن. وتحادثت هذه المرة مع الرجل حول المظالم الاعلامية التي ترتكبها بعض وسائل الاتصال ضد المملكة والخليج العربي ووجدته منددا بها حتى في حملته الانتخابية وفي منشوراته السياسية وفي خطة السياسة الخارجية التي يعرضها على مواطنيه. يقول شوميناد: ان للملكة دورا رياديا في الحفاظ على استقرار وأمن منطقة الشرق الاوسط بالتنسيق مع كل دول مجلس التعاون، وعلى الاتحاد الاوروبي الا ينساق وراء المخططات المعادية للعرب وللمسلمين حين يتعامل مع هذه الدول الصديقة، ولفرنسا بالذات رسالة ريادية في سن سياسة عربية ـ اي باتجاه العرب ـ تساعد على تجاوز هذه الازمة وعدم الوقوع في مخططات حرب الحضارات التي ينظر لها «صمويل هنتجون». اما الصديق ميشال جوبير وزير خارجية فرنسا الاسبق وكرستيان روي مدير المعهد الدولي بمدينة رمبولي الفرنسية فهما يؤيدان تحليلي على ان هناك اطرافا عنصرية متسللة الى بعض وسائل الاتصال الاوروبية هي التي تخطط وتقرر كيف تقدم صورة العرب والمسلمين من خلال تشويه مواقف أوثوابت المملكة والخليج في اذهان ومخيلات الرأي العام الاوروبي، لاغراض مصلحية وايديولوجية معروفة. ثم اننا اذا حللنا بيان المؤتمر الدولي حول الامن المنعقد في مدينة ميونخ الالمانية من 2 الى 4 فبراير الجاري، لوجدنا بعد قراءته المتأنية انه يدين تلك الرؤية المزورة للمصطلحات وخاصة مصطلح الارهاب لانها رؤية تزج بالعالم في صراع دموي رهيب وتكيل بمكيالين. وبالطبع الى جانب هذا نلمس التغيير الكبير والواضح في مواقف الاتحاد الاوروبي المنادي بعدم استفراد واشنطن بتوجيه وتحديد مستقبل العالم دون الاعتماد على حلفائها، كان هذا هو روح الرسالة التي وجهها مسئول العلاقات الخارجية الاوروبي كريس باتن وكذلك الامين العام لحلف الاطلسي جورج روبرتسون حين اكد ان اجندة الرئيس بوش ليست اجندة العالم. وهنا نشعر بأن رأي النخبة الاوروبية بدأ يؤثر في توجيه الاحداث واعطاء كل ذي حق حقه. ـ استاذ بقسم الاعلام ـ جامعة قطر