إذا كانت ثمة أسباب عديدة للتباعد الذي يبرز أكثر فأكثر ويوماً بعد يوم، بين السياسات الامريكية والاوروبية من مختلف قضايا العالم، الا ان السبب الرئيسي لهذا التباعد هو السياسية التي تعتمدها الولايات المتحدة حاليا في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما حيال الصراع العربي ـ الاسرائيلي ووسائل معالجته. ولم يحدث ان تعرضت السياسات الامريكية لانتقادات علنية ومباشرة من قبل دول اوروبية، كما هو الحال الآن، باستثناء مواقف تاريخية تميّز بها الرئيس الفرنسي الراحل الجنرال شارل ديجول واتخذت شكل انتقادات واضحة لما كان يسميه الرئيس الراحل الهيمنة الامريكية. ولكن باريس الآن، وكما كان شأنها خلال المرحلة الديجولية، تبدو الأكثر وضوحا في انتقاداتها لسياسات الولايات المتحدة، خصوصا في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي، برغم التململ الذي تبديه دول أوروبية عدة للأسباب ذاتها. بيد ان العنصر الاضافي في هذا التطور الجديد هو اتساع دائرة الانتقادات وانتقالها من مستوى صاحب الموقع الأول في الدولة، وهو الرئيس، الى المستوى الحكومي، حيث نسمع ونقرأ كلاماً لوزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين يقول فيه من دون مواربة «على أوروبا ان تتخذ قراراتها من النفوذ الامريكي»... و«اذا لم نكن في بعض الحالات متفقين مع السياسة الامريكية، علينا ان نقول ذلك، لاسيما فيما يتعلق بشئون الشرق الأوسط». كما يقول ايضا في هذا الشأن: «الأوروبيون اليوم لا يؤيدون سياسة البيت الابيض في الشرق الأوسط ويعتبرون ان من الخطأ دعم سياسة ارييل شارون القمعية». كذلك يلتقي رئيس الحكومة الفرنسية ليونيل جوسبان مع وزير دفاعه آلان ريتشار ووزير خارجيته فيدرين على انتقاد ما يسمونه «التبسيط الامريكي»، وذلك «بحصر مشكلات العالم بمكافحة الارهاب، وهذا غير جدي»، مشيرين الى ان الولايات المتحدة تستغل موضوع الارهاب لتوسيع هيمنتها على العالم. وليس سراً ان الرئيس الفرنسي جاك شيراك كان قد وجه نصائح (شخصية ورسمية) الى الرئيس الامريكي، عندما زاره في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، ركز فيها على ضرورة التعقل وعمد الاندفاع بعيدا في السياسات الانتقامية التي كان من الواضح ان الادارة الامريكية تتوجه لاعتمادها على نطاق واسع، مما سيكون له تأثيرات سلبية على العالم كله. وقد وجدت باريس لاحقا انها كانت مصيبة في توقعاتها ومخاوفها، وهو ما حمل وزير الخارجية الفرنسي على الحديث عن «الطريقة الاحادية» التي تعالج بها واشنطن شئون العالم، من دون التشاور مع الآخرين «انطلاقا من تفسيرهم ومصالحهم وبطريقة تعود بالفائدة عليهم، كما انه يرفضون قطع تعهدات في أي اتفاق دولي أو مفاوضات متعددة الأطراف تؤثر في قراراتهم وسيادتهم وحرية حركتهم». إن التناقض الامريكي ـ الأوروبي بدأ يظهر تدريجيا انطلاقا من اختلاف المفاهيم بين الجانبين حول شئون العولمة وكيفية التعامل مع مشكلات العالم الرئيسية، ومنها مشكلة التلوث الذي يهدد البيئة، والدرع الصاروخية الامريكية التي تعتبر في نظر الاوروبيين دعوة لاستئناف سباق التسلح من دون ان يكون هناك أي داع لذلك. وفي حين تصر الولايات المتحدة على ان تكون العولمة التي تدعو اليها مع ذاك النوع المتوحش الذي لا تقف في طريقه حدود أو حواجز أو شروط، يرى الاوروبيون أهمية ان تكون العولمة ذات مواصفات انسانية شاملة بحيث تخلق مصالح مشتركة بين الشعوب، لا أن تكون مجرد ساحة مفتوحة أمام الشركات الكبرى متعددة الجنسيات التي تتوخى الربح المادي وليس أي شيء آخر. وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر الماضي، وعلى الرغم من وقوف اوروبا الى جانب الولايات المتحدة في «محنتها» إلا ان الاوروبيين بدأوا يضيقون ذرعا بانفلات القوة العسكرية الامريكية تحت شعار ما يسمى «مكافحة الارهاب». إذ بدلا من ان تدفع هذه الاحداث الادارة الامريكية الى اعادة النظر في سياساتها العالمية بهدف خلق روابط أقوى مع مختلف شعوب العالم وتوخيا لتحقيق العدالة على أوسع نطاق ممكن، حدث العكس تماما. ولعل الشعار الذي رفعته ادارة الرئيس جورج بوش «من ليس معنا فهو مع الارهاب»، طُبق بطريقة تجعل كل من يرفض أوامر واشنطن «ارهابياً» أو «مسانداً للارهاب». وبناء على هذه النظرة الاحادية الضيقة، كانت حملة الرئيس الامريكي على ما أسماه «محور الشر» الذي يضم ايران والعراق وكوريا الشمالية، برغم ما أظهرته طهران من تعاون مع الولايات المتحدة في تصفية نظام طالبان وتنظيم «القاعدة» وإحداث تغييرات كاملة في الوضع الافغاني، وبرغم عدم وجود أية صلة للعراق بهجمات 11 سبتمبر. وفضلاً عن ان الاتحاد الاوروبي يعارض شن حرب على العراق بهدف تغيير النظام الحاكم بالقوة العسكرية، فهو يرى ضرورة مواصلة نهجه المتمثل في ما اصطلح على تسميته «الحوار البناء» مع ايران. وهناك شبكة واسعة من المصالح المتبادلة بين ايران ودول الاتحاد الاوروبي، ولا تريد هذه الدول ان تضحي بمصالحها مجاناً، أو لأهداف لا علاقة لها لا بمحكافحة الارهاب ولا بالسلام العالمي. ويصر العديد من المسئولين الاوروبيين ان الاصابع الاسرائيلية، كذلك قوى الضغط اليهودية في الولايات المتحدة، وراء الحملات الامريكية الجديدة، وذلك لتقوية الموقف الاسرائيلي في المواجهة الحالية مع الشعب الفلسطيني. ومن خلال استعراض مواقف الجانبين الامريكي والاوروبي من تطورات ازمة الشرق الاوسط والصراع العربي ـ الاسرائيلي، نجد ان التناقض بين الطرفين بات يشمل مختلف جوانب المشكلة بعد ان كان يقتصر من قبل على جانب واحد هو محاولة واشنطن اعتبار نفسها المرجعية الوحيدة لعملية التسوية السليمة في المنطقة، برغم التحيز الذي تبديه دائما لمصلحة اسرائيل. ان التناقض الرئيسي الاوروبي ـ الامريكي مرده الى اعتبار «مكافحة الارهاب» البند الوحيد على جدول اعمال تحرك الادارة الامريكية، وهو ما يوازي مقولة «الامن» التي يتخذها شارون ذريعة لتعطيل العملية السلمية وتدميرها، ولعل اسوأ النتائج المترتبة على هذا التوجه هو ان واشنطن لم تعد مهتمة بتحقيق تسوية سلمية في المنطقة وانما بات اهتمامها محصورا باجبار الفلسطينيين على الرضوخ لمشيئة اسرائيل وتفكيك تنظيمات المقاومة الشعبية بما يعد اعترافا بأن الانتفاضة كانت تحركا ارهابيا هدفه تهديد امن الدولة العبرية، بغض النظر عن دوافعها الحقيقية وهي مواجهة الاحتلال الاسرائيلي. ومع ان الحكومات الاوروبية ابدت بعض التجاوب فيما يتعلق بالدعوة الى انهاء العمليات «الانتحارية» الموجهة الى المدنيين الاسرائيليين، لكنها ادركت لاحقا ان ارييل شارون هو الذي يتعمد استفزاز الفلسطينيين لدفعهم الى الرد بعمليات مسلحة ثم يتهمهم بعدها بممارسة الارهاب، ما يعني عمليا استحالة الخروج من هذه الحلقة الجهنمية. في ضوء هذا الوضع وصلت الحكومات الاوروبية الى قناعة ان «ورقة تينيت» «اقتراحات رئيس المخابرات الامريكية» و«تقرير ميتشيل» اللذين تعتبرهما الادارة الامريكية الممر الوحيد لاستئناف المفاوضات الاسرائيلية ـ الفلسطنيية، باتا غير صالحين كأداة يمكن ان تقود الى تحقيق تسوية بين الطرفين، وذلك بعد ان ظهر تطابق كامل بين الموقفين الاسرائيلي والامريكي في شأن فرض هدوء تام في المناطق الفلسطينية الخاضعة للاحتلال الاسرائيلي لمدة تصل الى عدة اسابيع قبل ان تقرر الحكومة الاسرائيلية الخطوة التالية، وخلال ذلك تواصل قوات الاحتلال اجراءاتها القمعية ضد الفلسطينيين. وبدلا من ذلك، يطالب الأوروبيون الآن ببدء المفاوضات السياسية فورا بعد تخفيف الحصار المفروض على مناطق السلطة الفلسطينية وعلى الرئيس ياسر عرفات شخصيا لخلق اجواء ايجابية تساعد على استعادة الثقة بين الطرفين، وبالتالي على نجاح المفاوضات، ويرى الاوروبيون ان الخطوات التمهيدية التي تقترحها الادارة الامريكية، ومنها «ورقة «تينيت» و«تقرير ميتشيل» يضاف اليها الشروط الاسرائيلية التعجيزية، تجعل طريق المفاوضات طويلا جدا، بل من دون نهاية، ولذلك فهم يقترحون اسقاط كل ما يعيق المفاوضات او يؤخرها، والدخول فورا في تبادل الافكار والاقتراحات المتعلقة بتحقيق التسوية النهائية، على غرار ما يحدث في الاتصالات الجانبية القائمة بين بعض المسئولين الفلسطينيين والاسرائيليين. والمقصود هنا ما اصبح يعرف بـ «ورقة بيريز ـ ابو العلاء». بيد ان الادارة الامريكية لم تبد أي اهتمام بالافكار والاقتراحات الاوروبية والفرنسية خصوصا، المتعلقة بالخروج من المأزق الراهن. ومن ذلك مثلا، اعلان دولة فلسطينية، في بداية المفاوضات وليس كنتيجة لها، واجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في مناطق السلطة الفلسطينية، وذلك لاقناع الفلسطينيين بأن ثمة رغبة جدية لدي الاطراف المعنية «اسرائيل والولايات المتحدة» في ايجاد تسوية عادلة للصراع المستمر منذ ما يزيد على نصف قرن، لا مجرد المماطلة والتسويف، كما كان الحال دائما، بهدف تمكين الاستيطان من تثبيت نفسه في الضفة الغربية المحتلة كأمر واقع يتعذر تغييره. مع ذلك ، فان الاتحاد الاوروبي يبدو مصمما على مواصلة ضغوطه على الادارة الامريكية لحملها على اتخاذ موقف ايجابي يساعد على استئناف العملية التفاوضية، وهو يرى ان مواصلة الدعم الامريكي لحكومة شارون وسياستها القمعية حيال الشعب الفلسطيني سيؤدي الى نتيجة وحيدة هي استمرار العنف المتبادل وسقوط المزيد من الضحايا بين الجانبين، مع وضع المنطقة كلها امام خطر انفجار شامل. وفضلا عن ان مثل هذا الاحتمال يدمر الجهود الايجابية وبرامج للدعم الاقتصادي والتنموي التي بذلها الاتحاد الاوروبي على مدى السنوات العشر الماضية في سبيل احلال الامن والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط، فهو يهدد بانتقال الصراعات السياسية الى داخل الدول الاوروبية نفسها حيث تعيش مجموعة من الاقليات الدينية تتأثر بعمق بما يحدث على الضفة الاخرى من البحر الابيض المتوسط. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس