انتفاضة الشعب الفلسطيني، وقيام أهالي المسجونين بالهجوم على أحد السجون والافراج عن أبنائهم الذين يقبعون داخل الزنازين، خوفا عليهم من غارات طائرات الأباتشي هو نتيجة طبيعية لصلف شارون وغبائه. إنها الفوضى الحقيقية التي نشأت بعد غياب عرفات، وعزله ومحاصرته في سجنه الانفرادي. وما دامت القيادة غائبة فلماذا لا يتولى الناس أمورهم بأنفسهم. وما الذي يستطيع عرفات فعله؟ إذا كان يعيش بأمر شارون مبعدا ومكتوف الأيدي ومحروم من ممارسة صلاحياته بالرغم من اصرار شارون على تحميل عرفات مسئولية كل عمل من أعمال المقاومة يقوم به أي فلسطيني في أي مكان، وهذه الفوضى لن تؤثر كثيرا على السلطة الفلسطينية، ولكن تأثيرها الأكبر سيكون على حكومة شارون لأنه عندما تغيب القيادة يصبح من حق أي شخص أن يتولى بنفسه زمام القيادة، وأن يدير الأمور بالطريقة التي يراها مناسبة، في ظل غارات طائرات إف 15 وطائرات الأباتشي، وغزو أرض السلطة الفلسطينية بالدبابات والجرافات. وبالرغم من فشل شارون وافلاس سياسته بدليل المعارضة التي أخذت تتنامى داخل اسرائيل ضد سياسته، ولدرجة أن رئيس الكنيست الاسرائيلي ابراهيم بورج حصل على تفويض من الكنيست بزيارة رام الله والحديث مع المجلس التشريعي الفلسطيني، وابراهيم بورج ليس عضوا في حماس أو الجهاد الاسلامي، وأعضاء الكنيست الذي صوتوا له في الكنيست ووافقوا على سفره الى مناطق حكم السلطة الفلسطينية دليل على عدم رضاء هؤلاء الأعضاء على سلوك شارون وممارساته الغبية ضد السلطة الفلسطينية. وفي نفس الوقت تأتي غضبة نائب الرئيس الأمريكي تشيني من أكاذيب وزير الدفاع الاسرائيلي ورفضه قبول اعتذاره عن تصريحه الكاذب بأن نائب الرئيس الأمريكي صرح له قائلا: لو شنقت اسرائيل عرفات فإن الولايات المتحدة لن تهتم. هذه السقطة من وزير الدفاع الاسرائيلي، تثبت أن حكومة شارون حكومة كاذبة لا تفتري على السلطة الفلسطينية فقط ولكنها تفتري حتى على الولايات المتحدة التي لولا دعمها لما كان للكيان الاسرائيلي أثر في المنطقة. والواضح الآن أن حكومة شارون في ربع الساعة الأخير، وهذا قد يدفعها الى مزيد من الجرائم ضد المناطق الفلسطينية، والى مزيد من الأخطاء مع السياسة الأمريكية كالخطأ الذي ارتكبه وزير الدفاع الاسرائيلي مع تشيني نائب الرئيس الأمريكي. وسيظهر على الساحة الاسرائيلية أكثر من سياسي اسرائيلي ضد سياسة شارون وضد ممارساته وقد استمعت أخيرا الى تصريح ميائيل ديان عضو الكنيست وابنة وزير دفاع اسرائيل السابق موشي ديان، تستنكر فيه ممارسات حكومة شارون وقصف الطائرات للمنازل في مناطق السلطة الفلسطينية. هذا الى جانب معارضة الاتحاد الأوروبي لسياسة شارون ودعوته للرئيس عرفات، ورفضه الكامل لمحاولة شارون الفاشلة لايجاد قيادة بديلة ولكن ذلك كله لا يردع شارون ولا يقنعه، وستأتي نهايته بطريقة مفاجئة ومأساوية كسلفه نتانياهو ومأساة شارون أنه يكره الفلسطينيين كراهية شديدة ويشعر نحو عرفات بكراهية شخصية. فهذا القائد الفلسطيني الذي لم يتخرج في كلية عسكرية، والذي ظهر فجأة بعد نحو ربع قرن من نكبة فلسطين، كيف يجرؤ هذا المدني على إجهاض مشروع القائد شارون بجعل القدس عاصمة موحدة وأبدية لاسرائيل. وشارون معذور فهو لا يعرف من أمور الدنيا سوى الحرب والالتفاف حول الخصم، ولو كان شارون من الذين يقرأون الكتب لأدرك أن ثلاثة رجال حطموا آلة الحرب الهتلرية، أحدهم كان عاملا في مصنع صلب، والآخر كان مراسلا صحفيا في جبهات القتال والثالث كان معوقا، وعاش سنواته الأخيرة جالسا على كرسي متحرك.. والثلاثة بالترتيب هم ستالين وتشرشل وروزفلت. والحرب حرفة ولكنها تكون أوقع عندما تكون موهبة. والموهبة تحقق النصر إذا قاتلت تحت راية قضية، وعرفات مقاتل موهوب وهب نفسه لقضية فلسطين. قضية الوطن المسروق، ولذلك سيظل النصر في ركابه، وسيخزي الله الذين قاتلوا بالأجرة في سبيل قضية ظالمة. وليس هناك ظلما أكبر من قيام دولة اسرائيل وتوسعها في الأرض العربية على حساب شعوبها وعلى جثث أهلها، ولذلك فالقضية قضية عادلة. أما شارون فهو يلعب في الوقت الضائع، ويعيش الآن في الساعة الخامسة والعشرين. واذا كان شر البلية ما يضحك، فقد أضحكني تصريح نتانياهو الذي اتهم شارون بالتهاون في مواجهة الفلسطينيين. القصف الجوي وتجريف الأرض واغتيال القيادات وحبس أبو عمار وعزله وضرب البنية التحتية للسلطة الفلسطينية، كل هذا التهاون في مواجهة الفلسطينيين! ونتانياهو مثل شارون، كلاهما سيكنسه التاريخ في ترابه، وسيذهب عرفات الى مكانه الطبيعي، مكتب رئاسة الدولة الفلسطينية في القدس، وإن غدا لناظره قريب!