في أوراقي القديمة وجدت ملاحظات كنت قد كتبتها خلال زيارتي للبرازيل قبل عدة سنوات، وأود في هذه الاستراحة ان اشارك القراء فيها. كلنا يعرف ان البرازيل تعتبر اكبر دولة من حيث المساحة وعدد السكان في امريكا الجنوبية واغناها، ولولا لغتها المختلفة عن بقية الدول في هذه القارة لكانت زعيمتها، لكن اللغة عائق في هذه القضية، فالقارة كلها تتحدث اللغة الاسبانية ما عدا البرازيل فهي الوحيدة التي تتحدث اللغة البرتغالية. هذه الدولة كسبت شهرتها من عدة اشياء أولها كرة القدم، وثانيها رقصة السامبا والكرنفالات، وثالثها طبيعتها الخلابة والمعروفة بغاباتها الشهيرة وبنهر الامازون، بالاضافة لثروتها الطبيعية الهائلة كالبن مثلا، والمعادن الثمينة والاحجار الكريمة لكنها مع ذلك لم تحسن ظروفها الاقتصادية وترفع مستوى معيشة شعبها، فهذه الدولة تتكون من فئتين إحداهما تمثل الغنى الفاحش والاخرى الفقر المدقع والتي تشكل الاغلبية، والبرازيل بثروتها تلك كادت تكون من الدول الغنية لولا اطماع بعض جيرانها، ودعمهم للانقلابات حتى ان اول الانقلابيين قاموا بصرف اموال طائلة من خزينة الدولة لبناء العاصمة «برازيليا» على شكل طائرة، وكان المستفيد الأول بعض الدول الكبيرة والشركات المتعددة الجنسيات. البرازيل حببت العالم في كرة القدم، من لم يكن يحبها من خلال مشاهدته لمباريات البرازيل أحبها، فهم المبدعون والفنانون لهذه اللعبة، مع ان كرة القدم بأسلوبها الحديث من صناعة بريطانيا، وأوروبا صاحبة الفضل الاول في ظهورها. كما يعتبر البرازيليون اول من ابتكر رقصة السامبا التي يقولون عنها ان من لم يسمع عنها فإنه لا يعرف شيئاً من عالم الموسيقى والرقص! وهم أول من فكر في اقامة مسيرات كرنفالية في الشوارع تمتد لعدة ايام وتشتمل على ابداعات فنية غير قابلة للتقليد والمنافسة، لانه يعتبر اشهر مهرجان في العالم واسمه ارتبط بالبرازيل ككرة القدم ورقصة السامبا. اول مدينة زرتها في البرازيل كانت ريو دي جانيرو وتعتبر اكبر واجمل المدن البرازيلية وبها اشهر شاطيء في العالم شاطيء «كويا كبانا» الذي يزوره آلاف من البشر وبأشكال والوان مختلفة ويقال ان البرازيليات يشتهرن بالجمال والرشاقة واللون البرونزي وهذا ما يميزهن في نظر الكثيرين ويصفونهن بأجمل بنات العالم، اما اطرف موقف حصل لي خلال كرنفال «ريو دي جانيرو» اذ تعرفت عن طريق احد الاصدقاء الى ثري عربي الاصل يعيش في هذه المدينة اراد ان يكرمنا فدعانا الى مشاهدة الكرنفال ليس في الشوارع انما عند نهايته في اكبر ملعب لكرة القدم، اذ تجتمع جميع الفرق الفنية المشاركة في هذا الاستاد الكبير لتقدم اجمل العروض ومن يريد مشاهدة اجمل ما في الكرنفال يحجز في هذا الملعب وتذاكر الدخول تستنفد قبل ايام من بداية المهرجان. اخذنا صاحبنا إلى شقته وقال انه اشتراها حديثا وان اجمل ما فيها زيادة على موقعها الجميل انها كانت شقة لاحد الفنانين العرب، وفنانة عالمية مشهورة لعدة سنوات! ومن هناك انتقلنا الى الحفل وبرفقتنا ثلاثة حراس كل واحد منهم اضخم من الثاني، وعند سؤالنا له لماذا يرافقنا هؤلاء الحراس؟ قال خوفاً عليكم من الاعتداء والنشالين! وفي طريقنا شاهدنا آلافاً من البشر تتجه مسرعة نحو الحفل ونحن بدورنا كنا مطمئنين للوصول اليه برفقة هؤلاء الحراس على الاقل لتسهيل دخولنا! وعلى مقربة من الابواب بحوالي عشرة امتار تقريباً شعرنا بحركة غريبة حولنا وإذ بأحد الحراس يمسك شاباً، والآخرون ينهالون عليه بالضرب ونحن كالاطرش في الزفة، كما يقول اخواننا المصريون، نتساءل باستغراب عن الموضوع وصاحبنا يصرخ على الحراس بصوت عال غير مفهوم لنا طبعا. وبعد ان هدأ عرفنا منه ان تذاكر الحفل قد سرقت من الحارس الذي كان في المقدمة (على فكرة هو اطولهم قامة) والشاب الممسوك خطفها منه وبلمح البصر سلمها الى آخر وهكذا .. الى ان تصل الى من يبيعها في السوق السوداء بمبالغ باهظة تساءلنا ما العمل؟ قال لا شيء لا تذاكر لا حفل والى السنة المقبلة! كما زرت في البرازيل مدينة ساو باولو، هذه المدينة العريقة البعيدة عن البحر المكتظة بالسكان، فهي اكبر مدينة من حيث السكان في البرازيل، مدينة للتجارة ورجال الاعمال تعرفت على مجموعة من رجال الاعمال من ذوي الاصول العربية متحمسين جداً لعروبتهم مع ان بعضهم لا يتقن اللغة العربية واغلبهم من لبنان وسوريا وبعضهم من مصر والعراق لكن رغم تحمسهم هذا فهم مختلفون في آرائهم وافكارهم متأثرين بما يجري في الوطن الأم من الخلافات العربية العربية! دعاني احدهم الى احد المطاعم المعروفة في ساو باولو طلب لنا اغرب واغلى شوربة تناولتها في حياتي وهي شوربة سمك نهري صغير بحجم كف اليد يسمى «بيرانا» يقال انه يمكن لهذه الاسماك ان تأكل مجموعة من الثيران في بضع دقائق! كما يقال ان الصيادين لا يمكن ان يضعوا اقدامهم في مكان تجمعها في النهر خوفاً من هجومها عليهم فشكرته على الدعوة وقلت: احمد الله انني كنت مدعواً على تناولها وليس العكس!!!