الرئيس جورج بوش نصب نفسه قاضياً عالمياً فأصدر حكماً صنف فيه العرب والمسلمين المعتقلين في معسكر جوانتانامو الأمريكي إلى قسمين: المعتقلون من «طالبان» يعتبرون أسرى حرب بموجب معاهدة جنيف الدولية، وبالتالي لهم الحقوق القانونية المنصوص ، عليها في المعاهدة بما في ذلك الحق في الاستعانة بمحامٍ، أما المعتقلون الآخرون من تنظيم «القاعدة» فإنهم ليسوا كذلك.. أي يبقى حالهم كما هو وفقاً لتصنيف أمريكي أيضاً بأنهم «مقاتلون غير شرعيين». وليس من غرضي هنا الخوض في مجادلة قانونية، التجادل القانوني في هذه المسألة بات الآن قضية فرعية، فالقضية الأساسية التي تتخذ شكل تساؤل هي: ما هي المرجعية الشرعية النهائية للنزاعات العالمية.. هل هي القانون الدولي أم الأحكام التي يتراءى لرئيس دولة واحدة اصدارها كأحكام غير قابلة للتعقيب، ثم يفرضها تطبيقياً بقوة النفوذ والسلاح على العالم كله؟ تقول «منظمة العفو الدولية» «ان القضاء هو وحده الذي يحق له ان يفصل في من يمكن ادراجه في فئة أسرى الحرب» وبكلمات أوضح قال مدير البحوث في المنظمة كلوديو كوردون «ان قرار الفصل في مسألة المعتقلين يعود إلى محكمة وليس الرئيس بوش أو أحد مستشاريه». ان ما يغري الادارة الأمريكية في عهودها المتعاقبة بالاستهتار بالقانون الدولي، خروجاً عليه أو ليّا لعنقه أو اساءة تفسيره بما يتلاءم مع أهداف ذاتية أمريكية أو الدوس على النصوص صراحة وعلناً هو سكوت دول العالم تجاه هذه المخالفات المنكرة خاصة الدول الغربية المتقدمة بحكم انها بالمقارنة مع دول العالم الثالث المتخلفة في وضع أقوى وأفضل للوقوف بحزم في وجه الاستهتار الأمريكي. وأبرز المخالفات التي سكتت عليها حكومات الغرب أو شاركت فيها مجاراة للحليف الأمريكي تتعلق بالرؤية الانتقائية الأمريكية نحو مبدأ الشرعية الدولية، فتأخذ به عندما يكون ملائماً لخدمة الاستراتيجية الدولية للولايات المتحدة وتنبذه عندما لا يكون كذلك. لقد رأينا خلال العقد الأخير كيف تصر واشنطن على التطبيق الحرفي لقرارات مجلس الأمن الدولي بشأن العراق مع اصرار بنفس القدر على قتل قرارات المجلس بشأن القضية الفلسطينية والهدف في الحالة الأولى كما نعلم هو ابقاء نظام العقوبات على العراق إلى الأبد بينما الهدف في الحالة الثانية هو ابقاء الاحتلال الاسرائيلي للأرض الفلسطينية إلى الأبد أيضاً. ورأينا خلال العقد كيف ظلت دول الغرب الأخرى تدعم هذا الضلال الأمريكي وإذا كانت دول الاتحاد الأوروبي أخذت ترفع صوتها الآن بالاحتجاج بعد ان اتضح ان مصالحها الدولية الحيوية تتأثر سلباً بمناخ التوتر العالمي المتنامي بسبب السياسات العدوانية الأمريكية فإن عليها ان تستذكر ان دعمها المتصل للانحراف الأمريكي هو الذي كان يشجع الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين على الاستهتار بمبادئ الشرعية الدولية. بتواطؤ أوروبي عمدت واشنطن تحت ادارة الرئيس بوش الأب إلى تحريف قرارات الأمم المتحدة بشأن الاحتلال العراقي للكويت عام 1990 بحيث يقتصر تطبيق هذه القرارات على تحرير الكويت وإنما يمتد إلى عملية اضافية إلى تدمير العراق عسكرياً ومواصلة تدميره اقتصادياً بعد ذلك. ولاحقاً نصبت واشنطن من نفسها سلطة دولية خارج اطار الأمم المتحدة فابتدعت نظام «الحظر الجوي» في أجواء العراق ورغم ان فرنسا تنصلت لاحقاً من هذه العملية إلا ان بريطانيا لا تزال شريكاً فاعلاً فيها». ان السؤال الأكبر لا يزال مطروحاً: هل تنفرد واشنطن بحكم العالم؟ من دواعي التفاؤل ان أوروبا الحليف الأكبر والأقرب إلى الولايات المتحدة بدأت أخيراً تطرح هذا السؤال جهراً.