منذ نحو ثلاثة أسابيع قام وفد شعبي كويتي بزيارة إلى بريطانيا والولايات المتحدة، بهدف لقاء الفعاليات السياسية والمعنيين في هذين البلدين، كما يهدف الى اجراء اتصالات مع مراكز البحث والمسئولين فيهما، بعيداً عن القواعد الرسمية للتعامل والبروتوكولات المحسوبة، بل تتجاوز هذه وتلك، إلى المشاركة في حوارات غير رسمية تتيح للوفد ـ وقد أتاحت بالفعل ـ فرصة نقل وجهة نظر شعبية تتبناها شريحة واسعة من مواطني الكويت تجاه الأوضاع الاقليمية والدولية التي تجتاح العالم الآن، خاصة ان أحداث نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر قد أثبتت بتداعياتها وآثارها ان مساحة خريطة العالم مفرطة في الضيق (على اتساعها) وان لسان اللهب الذي يندلع في أقصى الغرب يحترق به من يعيشون في الشرق البعيد! ولأن الكويت تعيش وسط ظروف دولية شديدة الحساسية، وهو وضع فرضته المعادلة الجيوسياسية التي تمثل الكويت رقماً فاعلاً من أرقامها فإن المهمة التي قام بها الوفد الشعبي الكويتي في العاصمتين الغربيتين، ليست فقط مفيدة، ولكنها ضرورية لأن هذا الذي يحدث في العالم ليس هامشياً ولا هيناً، ولا شك في ان الكويت تتأثر به على صعد عدة، مثلما تأثرت غيرها من دول العالم القريبة والبعيدة. هذه الفئة من المتطوعين الكويتيين الذين بذلوا وقتهم وجهدهم من أجل أداء عمل وطني من طراز رفيع، تعرضت لهجوم لفظي ضار من قبل بعض الكتاب، تجاوز حتى لغة النقد، إلى التجريح والاتهام، مع ان الذين يعرفون جيداً كيف يسير العالم الآن وأين تكمن مصلحة الوطن، لابد من انهم يعرفون أهمية العمل الذي اضطلع به هذا الوفد في اعطاء صورة صادقة وحقيقية عن الشعب الكويتي الرافض للارهاب والعنف، لا سيما ان كثيراً من الدوائر راحت تلقي بالاتهامات يمنة ويسرة بما يخشى معه ان يقع تشويه على صورة الكويت يفيد منه من يريدون بها شراً. هذا الهجوم الذي وصل في بعضه إلى حدود القدح الشخصي هو ظاهرة يجب الوقوف أمامها بالتحليل، لأنها ليست حالة فردية يمكن السكوت عنها، أو عرضاً استثنائياً يجوز التسامح بشأنه، بل هي حالة صارت عامة في الحياة السياسية الكويتية، حيث أصبح مجرد الخلاف في وجهات النظر مبرراً للاغلاظ في القول والشراسة في القدح، والقفز من تحليل الأفعال إلى «تفسير النوايا» وتفتيش الضمائر، و باتت الصدور أكثر ضيقاً من ان تتحمل الرأي الآخر، وخلت من روح التسامح حين الاختلاف، والتآزر حين الاتفاق، وهي كلها ظواهر يدهش لها المراقبون ويأسف الحكماء. ان الحقائق الماثلة أمامنا لا تحتاج إلى تذكير، فالولايات المتحدة أصيبت بصدمة العصر، بكل المقاييس، ففي دقائق قليلة تمكنت مجموعة من الأشخاص المتعصبين من اختطاف بضع طائرات تقل مئات من البشر الأبرياء صانعين منها قنابل هائلة الحجم مقتحمين بها اثنين من أعلى الأبنية في العالم لتسقط أرواح بريئة بالآلاف، ناهيك عن الخسائر المادية الفادحة التي لم يشهد التاريخ مثلها، والتي يقدرها المختصون بنحو سبعمئة مليار دولار في الولايات المتحدة فقط، أما على مستوى الكرة الأرضية فلا شك في ان الجميع بدأوا يلحظون التغيرات السلبية التي طرأت على كثير من دول العالم، ومنها دول عربية، حيث انزلقت اقتصادات هذه الدول إلى شفا الانهيار، وهو ما يستتبع بالضرورة اضطرابات سياسية واجتماعية بالغة التعقيد. ولأن الولايات المتحدة هي التي استطاعت ان تجيش الجيوش وتجمع الحلفاء لتشكل أكبر تكتل عسكري وسياسي (منذ الحرب العالمية الثانية) وفي مقدمته المملكة العربية السعودية ودول أخرى عربية وعالمية لتحرير الكويت واستعادة شرعيتها، واعادة الحرية إلى مواطنيها، بعد سبعة أشهر كاملة من الاحتلال.. أفلا يتطلب هذا الانجاز التاريخي المفصلي بالنسبة إلينا ان نقدم كلمة مواساة لمسئولي هذا البلد وشعبه، نظهر لهم من خلالها تعاطفنا معهم ووقوفنا إلى جانبهم في هذه المحنة، في لمسة «شعبية» تبتعد عن الكلمات المحسوبة دبلوماسياً وسياسياً؟ وأليس من المناسب ان يلتقي أفراد من الشعب الكويتي مع نظراء لهم في لمسة «انسانية» نرد فيها الجميل ونقر بالفضل في لحظة يحتاج فيها أصدقاؤنا إلى من يقف بجانبهم، في هذا الحدث العصيب؟ وماذا لو دار حوار هادئ بين هؤلاء النفر الكويتيين ومسئولين أو معنيين أمريكيين يشرحون فيه موقفنا الصحيح، ويزيلون الغبار عن صورتنا التي ـ لا شك ـ تضررت من ان مرتكبي هذه الجريمة الفاجعة كانوا «عرباً مسلمين»؟ هذا بالضبط ما قام به الوفد الشعبي الكويتي من دون مزايدة ولا ضجيج، فما الخطأ في ذلك، خاصة ان الولايات المتحدة ترتبط مع دول المنطقة بعلاقات وطيدة استراتيجية واقتصادية وتسليحية وهي تمارس نفوذاً دولياً واسعاً في كل الاتجاهات، بينما ينتشر جنودها في معظم بقاع التوتر في العالم، ويكاد التزامها بحفظ السلام يجعل منها القوة الوحيدة على الأرض اليوم، بجانب قوتها الاقتصادية الهائلة. في مقابل هذا فإن النقد المسلسل والمستمر لوفد شعبي كويتي، حاول التواصل والسماع والحوار والفهم والتفهم إلى جانب تقديم المواساة لشعب صديق، هو أمر يحتاج إلى وقفة ومناقشة، خاصة بعد ان هون كثيرون من مهمته، وتجاوزوا إلى محاولة تجريح أفراده، واطلاق القول على عواهنه، من دون تحقيق أو مراجعة، فكل ذلك يحسب في خانة الخسارة الوطنية الحقيقية تلحق بالخسائر الوطنية التي يدفع باتجاهها آخرون معادون للمصالح العليا للوطن، في الوقت الذي نجد فيه أشخاصاً آخرين ليس لهم مصالح مباشرة أو دوافع ذاتية يكتبون ـ بتجرد ـ تقريظاً منصفاً لأعمال هذا الوفد الشعبي الكويتي. فقد كتب في الأسبوع الماضي «مأمون فندي» وهو استاذ عربي يعيش ويعمل في واشنطن، يقول ما معناه ان الوفد الشعبي الكويتي قد أبلى بلاءً حسناً في اجتماعاته مع المؤسسات الأمريكية الرسمية والشعبية والبحثية المختلفة، وإنه قدم صورة حسنة ومتوازنة وصحية للكويت والعرب، بل وللمسلمين جميعا. ويأتي في المقابل من يفترض ان هذا الوفد ليس خارجا عن الاجماع الوطني فحسب، بل هو خارج عن «الملة» والعياذ بالله، وينعته بـ «العلمانية» وهي لدى البعض ـ مع الأسف ـ خروج على «الدين» وهي تهمة بالغة القسوة لرجال ونساء ينتمون الى الوطن والى الاسلام، وهي ايحاءات سلبية، يتعين على المواطن الكويتي ان يتخلص من خطابها المفرط في تهميش الآخر، ومحاولة اخراجه من العمل الوطني بتهم مصطنعة وايحائية مضرة ليس لمن اتهم بها فحسب، بل هي مضرة لمن اطلقها ايضا. لأن الناس لهم عقول ويستطيعون بوسطاتها ان يفرزوا المقولات ويتبينوا الصواب من الخطأ. لقد قام الوفد الشعبي مشكورا بعمل وطني له مسوغاته، حيث ان ما شهدناه من أفعال سياسية عسكرية بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 له ما بعده من تداعيات، والوطن الكويتي معني بها من اكثر من جهة. فـ «بن لادن» ومن معه قد رفعوا ثلاثة شعارات في خطابهم الاعلامي والسياسي، وهي «وجود القوات الامريكية في الجزيرة» و«معاناة أطفال العراق» والقضية الفلسطينية». واذا استثنينا الموضوع الثالث، فإن الموضوعين الآخرين لهما علاقة بالوطن الكويتي مباشرة، فوجود القوات الامريكية في الجزيرة هو اساسا وجود لردع عدوان يمكن ان يجيء من نظام حاكم في العراق، مستمر وقائم ولا يزال مهددا للوطن والجيران.. وأطفال العراق ليسوا إلا بضاعة يريد ذلك النظام العراقي ان يبيعها على العامة، مدعيا ان معاناة هؤلاء الاطفال نجمت عن استمرار العقوبات، وهي مقولات مغلوطة ومضللة، تستبدل فيها بكلمة الصدق كلمات مكذوبة تثير بعض البسطاء ولكنها لا تنطلي على العقل الناقد الواعي. فالحصار المفروض على الشعب العراقي، فرضه النظام العراقي نفسه، والشعب المغلوب على امره هو الذي يدفع الثمن الباهظ، وهو نفسه الشعب الذي تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها ـ اليوم ـ الى تخليصه من قبضة حاكمه الحديدية، التي حولت حياته الى نفق مظلم او جحيم مستعر، وهو أمر لا يعرف احد حتى الآن كيف يمكن تحقيقه ومتى؟ وبأي وسيلة..؟ ولكنه مكتوب على الجدران، ومن الواجب الاحتياط من بعض نتائجه السلبية على الوطن الكويتي. وهذا احد الموضوعات التي ناقشها الوفد الوطني الذي زار الولايات المتحدة وبريطانيا أخيرا. ثم هناك أمر مهم يحتاج الى شيء من احترام ذكاء القاريء، وهو اتهام الوفد بالتحريض ضد جماعات سياسية معينة. وإذا كان لأجهزة الولايات المتحدة رأي في التجمعات السياسية بأشكالها المختلفة في الكويت، أو في غيرها من البلدان، فهي بالتأكيد لها مصادرها الخاصة والمستقلة في تكوين هذا الرأي، ومن ثم فهي ليست في حاجة الى ان تسمع لهذا الوفد او ذاك في امر على هذا النحو من الخطورة والحساسية(!)، كما ان الوفد الشعبي لم تكن من مهماته ان يحث احدا او يشير عليه بهذا الامر. فالكويت بلد ديمقراطي فيه الرأي والرأي الآخر في مزيج مفتوح للجميع ومعلن للكافة، فلا توجد في الكويت تنظيمات تحت الارض كي يشار اليها دون علم الجميع بها. من المحزن هذا الخلط الواضح بين العمل الوطني الذي من الواجب ـ اذا توافر نضج الممارسة ـ الاتفاق عليه ومساندته وبين المكاسب السياسية الآنية... وخطأ كبير ان تستغرق في تأمل شجرة واحدة، متجاهلا الغابة من حولك باتساعها وتنوعها فكلما ابتعدت بناظريك عن الشجرة، استطعت ان ترى الغابة على حقيقتها(!)، ومن ثم فليس من العقل اتهام كل ما فعله الوفد الشعبي بأنه عبث وتحريض ومضيعة للوقت... ثم يتبرع البعض حتى ينزع صفة الايمان من اعضائه من دون مسوغ او دليل. مثل هذا الخطاب التحريضي ليس فقط استهانة بعقول الآخرين، وانما هو تعريض لمصالح وطنية عليا للخطر، فمن مهمات القوى السياسية الناضجة تعظيم نقاط الاجماع، وفي الوقت نفسه احترام حق الاختلاف دون تهويل للذات او تهوين للاخر، خاصة اننا نحن في الكويت اشد ما نكون حاجة الى مثل هذه الاجواء المتسامحة، لأن القادم من الأيام والشهور يحمل الكثير من المفاجآت، والكثير الكثير من المواقف العصيبة والمنعطفات الخطرة! ـ أمين عام عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت