أحدثك اليوم عن محمد فؤاد عبدالباقي.. وقد لا يعلم الكثيرون من هو محمد بن عبدالباقي هذا.. والناس معذورون فيما لا يعرفون. ان الفقير كاتب السطور يقرأ له الفاتحة كلما امتدت يدنا الى أرفف الأعمال الكلاسيكية الجليلة لتراجع ، المصنف الجليل الذي أخرجه فؤاد عبدالباقي الى الناس تحت عنوانه المعروف: (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم). 871 صفحة - يا مولانا - من القطع الكبير يحار المرء وهو يراجعها في مدى الجهد المبذول في ترتيبها وتصنيفها.. ومتى؟ في الربع أو الثلث الأول من القرن العشرين.. الزمن الذي لم يكن قد عرف الحاسوب ولا ماكينات الفرز أو الحاسب الالكتروني.. بل كان قصارى الباحث وقتئذ أن يصطنع جزازات وبطاقات وأوراقا بل ومناهج بحث وتصنيف خاصة به ثم يسهر الليالي المسهدات بأشرف أَرَقٍ وأَجلّ سهاد.. وهو أرق البحث العلمي على أرفع وأدق ما يكون، ثم يقدم هذا كله من بعد الى جماهير الناس إن لاحت في خاطرك كلمة، أي كلمة أو ساورتك لفظة، أي لفظة وردت في متن المصحف الشريف فدونك المعجم المفهرس يدلك ـ ولا غرو ـ عن موضعها من آية القرآن ورقم الآية وموضع نزولها في مكة أو المدينة.. ثم يحيلك في نفس السياق الى السورة التي تحتويها الآية ورقم السورة.. ولا يفوته زيادة في كرم العلم أن يبلغك بعدد المرات التي تكرر فيها ورود اللفظة الموعودة على مستوى كتاب الله الكريم في مجمله فماذا تريد - يا مؤمن - أكثر من ذلك؟ والحق نقول إن كنا نعرف عن الأستاذ فؤاد عبدالباقي اشتاتا متناثرات من معلومات وأخبار منها أنه ولد مع الثورة العرابية عام 1882 ورحل الى عالم البقاء في عام 1968.. وأنه طيلة هذه الأعوام التي قاربت على التسعين كان يوصف بأنه صائم الدهر كما يصفه العلامة خير الدين الزركلي في قاموس (الاعلام) وكان يصوم بغير سحور بمعنى أنه يتناول وجبة وحيدة كل 24 ساعة كما تقول الدكتورة نعمات أحمد فؤاد، جزاها الله خيرا لقاء ما نفحتنا به من معلومات حول شخصية هذا العالم الباحث الزاهد.. وفي هذا السياق تقول الدكتورة نعمات أنه كان يبدأ فطوره بعد أذان المغرب بتناول ملعقتين من عسل النحل وبعدها (علبة اليوم) ثم قدر من اللبن والفاكهة وفنجان القهوة.. وفي تمام العاشرة يشرب كوبا واحدا من الماء ويحمد الله إذ تنقطع صلته بالطعام والشراب حتى مغرب اليوم التالي. فأما (علبة اليوم) ـ على وزن طبق اليوم فكانت قدرا معينا من الطعام ـ بالأدق الخضار المحفوظ إذ كان الأستاذ يشتري مع أول كل شهر مؤونته من صنوف الطعام النباتي: 30 علبة خضار محفوظ حيث كان للفاصوليا يوم ـ والبازلاء يوم ـ وهكذا. وليس لك أن تتصور أن فؤاد عبدالباقي كان يضيق على نفسه تمام التضييق.. لقد كان يقطع صيامه ويمضي فترة مفطرا مثل سائر عباد الله.. وكان افطاره يومين في السنة كلها هما عيد الفطر وعيد الأضحى.. وكفى الله المؤمنين، بهذا كان الرجل يكفي أهل بيته مؤونة اعداد ما يلزمه من طعام غداء أو فطور الصباح وكان بهذا يوفر مزيدا من الوقت بعد الوظيفة لكي يتفرغ لخدمة الدين والعقيدة واللغة الشريفة والتراث المجيد.. فأما الوظيفة فكانت تتراوح بين التدريس وبين العمل الاداري ثم اعمال الترجمة في البنك الزراعي.. وكانت بالطبع تستغرق الجزء الأول، اليسير من النهار وأما البحث والدرس والتأمل والتدوين والتأليف والاختلاف الى قلة نادرة كما قد نصفها من أهل العلم وأعلام العصر فقد كان يتم خلال ما تبقى من ساعات النهار والمساء الى حيث يوغل الليل والقوم مجتمعون في شغل بكتاب الله وسنن الرسول صلى الله عليه وسلم وسير الصحابة وتراجم التابعين. ومن عجب أن كان فؤاد عبدالباقي باحثا عصاميا فلم يقيض له أن يتخرج من جامعة ولا حتى من مدرسة عليا بل نال نذرا يسيرا وإن كان معقولا من التعليم النظامي حيث درس مبادئ الفرنسية في مدرسة عباس الابتدائية ثم تعلم مبادئ الانجليزية في مدرسة البعثة الأمريكية في حي الأزبكية بوسط القاهرة وإذ التحق بوظيفة المترجم اتيحت له فرصة تعميق معارفه بالفرنسية من ناحية وطبعا باللغة العربية من ناحية أخرى. وربما كانت مدرسته الأوسع والأهم هي مجالس العلم والأدب التي كان يغشاها على امتداد العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي وكان يشهدها رجال ذوو قامات سامقة في العلم وفضل نابع في التكوين المعرفي المستند الى أرضية وطيدة راسخة من تراث العرب والمسلمين.. منهم الدكتور عبدالوهاب عزام وكان حجة في الأدب الفارسي والابداع المكتوب بالأوردية ومنهم الأستاذ الأكبر مصطفى عبدالرازق شيخ الأزهر وخريج السوربون وأستاذ الفلسفة الاسلامية في جامعة فؤاد الأول (القاهرة) ومنهم الشيخ أحمد محمد شاكر أحد أفراد الأسرة الشاكرية التي ما زال لها أياد ناصعة البياض على تراث العروبة والاسلام وكان على رأس هؤلاء السيد رشيد رضا صاحب تفسير (المنار) الشهير والتلميذ البار للشيخ محمد عبده رأس مدرسة التجديد الاسلامي في العصر الحديث. وتعالى الى عزمات هؤلاء الرجال الكبار: في سنة 1928 وقع بين يدي فؤاد عبدالباقي الأصل الانجليزي لكتاب بعنوان (دليل لبواكير السنة المحمدية) حيث قال عبدالباقي: حرام يا شيخ رضا ألا يترجم هذا الكتاب للعربية. - إذن يا مولانا فلتكن أنت صاحبه ومترجمه. ولم يكذب (مولانا) فؤاد خبرا.. بل التحق بمدرسة برليتز تعميقا لمعرفته بالانجليزية.. ورغم المشاق، وبارادة من فولاذ عكف على تدارس وترجمة الكتاب على مدى سنوات خمس كاملات بعد أن حصل على تصريح بنقله الى لغتنا الشريفة من مؤلفه الانجليزي الأستاذ (ونسنك) وفي أكتوبر عام 1933 خرج الكتاب الى الناس بعنوان: (مفتاح كنوز السنة): وكما كان مفتاح الكنوز منقولا عن الانجليزية.. كان ثمة كتاب آخر بالفرنسية هذه المرة لم يتردد الأستاذ عبدالباقي في ترجمته الى العربية عام 1934 بعنوان (تفصيل آيات القرآن الكريم). ثم شاءت الصدف السعيدة.. بالنسبة لنا بل بالنسبة لأجيال من بعد أجيال من العرب والمسلمين أن جمع الله بين الأستاذ محمد فؤاد عبدالباقي وبين كتاب نفيس سبق وأصدره صاحبه - المستشرق الألماني (فلوجل) في مدينة ليزنبرج في عام 1843.. عام 1942 كما يقول الدكتور منصور فهمي رحمه الله وكان عنوان الكتاب هو: (نجوم الفرقان في أطراف القرآن) وكان هذا هو العمدة أو المرجع الأساسي الذي استند اليه العلامة فؤاد في اصدار معجمه المفهرس الذي ألمحنا اليه في صدر هذا الحديث والذي استعرض فيه متن القرآن الكريم مرتبة مواد ألفاظه بحسب ترتيب حروف الهجاء. في هذا السياق يقول فؤاد عبدالباقي: - راجعت معجم فلوجل على معاجم اللغة وتفسير الأئمة اللغويين وناقشت مواده.. ولم أقنع من نفسي بذلك، بل اخترت من أجلّة العلماء المعايير وصفوة الأصدقاء المخلصين لجنة عرضت عليهم فيها مواده مادة مادة، فما كان بادي الصحة أقرّوه وما خفي عليهم وجه الصواب فيه فزعنا الى المعاجم نستوضحها والى التفاسير نستلهمها. ثم ها هو يبث نجواه الى قارئه فيقول: - ولقد لقيت العناء المعنى والنَصَب المنصب في رد رقم آيات المصحف الذي طبعه فلوجل الى رقم آيات (مصحف الحكومة المصرية) ثم قعدت القواعد في ترتيب فروع كل مادة وحققتها وحررتها تحريرا بليغا. ولما تم لي ذلك، اقحمت نفسي لجّة العمل واستهديت الله فهداني واستعنته فأعانني ومضيت لا ألوي على شئ.. حتى لقد كيفت طريقة معيشتي تكييفا يحول دون الوقوف به قبل إتمامه (من مقدمة الأستاذ عبدالباقي للمعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم). إننا نكتب هذه الكلمات لكي تتأكد ثقتنا وثقة الجيل الشاب المتوثب في أصالة تراثنا وعظمة عقيدتنا ومدى قدرتنا على أن نخدم هذا التراث ونجدد نظرتنا واطلالتنا على مجالي القصيدة السمحة الطيبة التي جاءتنا بحمد الله هدية وهداية من لدن السماء.. كل ما نحتاجه الى رجال ونساء مخلصين من ذوي الارادة والعزمات من أمثال محمد فؤاد عبدالباقي الذي لم يمتلك حاسوبا ولا طلب بدلا لحضور جلسة أو اجتماع لجنة ولا حتى كان يجلس يوما الى مائدة غداء. بقي أن أقول لك أن الأستاذ عبدالباقي ترك على مدى حياته المثمرة الطويلة آثارا كثيرة حافلة من الكتب - الأمهات - الأعلام التي عكف عليها درسا وتمحيصا حتى أخرجها الى الناس وليتها تجد من يعيد نشرها من جديد.. في مقدمة هذه الآثار كتب جاء أشهرها بعنوان: - (المعجم المفهرس للحديث النبوي).. و(معجم غريب القرآن) و(اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان) هذا فضلا عن شروحه المسهبة لموطأ مالك وسنن ابن ماجة وصحيح مسلم وكتاب عن الصحابيات بعنوان (المسلمات المؤمنات) وبعد فقد كانت حياة الرجل - كما تصفها الدكتورة نعمات فؤاد - حياة رائعة بصبرها الصابر وتصميمها القادر على التجديد.. آضت (لجأت) الى التبتل من أجل الدين في صورة مشرقة مشرفة (كانت) أجدى عليه وأقرب الى الله من كثير من القيام والقعود. ألم أقل ان محمد فؤاد عبدالباقي شخصية لا تنسى؟