دهش كثير من المراقبين لشمول ايران فيما سمي بمحور الشر الذي جاء ذكره في خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش عن حالة الاتحاد مساء الثلاثاء الماضي، والذي حدد ثلاث دول هي بالاضافة الى ايران، العراق وكوريا الشمالية قال انها ترعى الارهاب، وتطور اسلحة دمار شامل، واضاف بوش لاحقا الى ذلك الوصف قوله ان خيارات الولايات المتحدة مفتوحة مع هذه الدول. فقد اعربت كل من الهند والصين عن معارضتها الاتهام الامريكي لايران، في حين قال الاتحاد الاوروبي ان علاقته بطهران سوف تستمر بصرف النظر عن موقف واشنطن. ان دافع الدهشة هنا ليس بالطبع ناجما عن خلو ساحة ايران مما يمكن وصفه بالعناصر السلبية فيما يتعلق بالسلوك الدولي العام. او غياب المآخذ لدى العديد من دول العالم على مواقف الحكومة الايرانية من هذه القضية او تلك. لكن الدهشة ناجمة عن وضع ايران، على قدم المساواة مع كل من العراق وكوريا الشمالية، مع ما ينطوي عليه ذلك من اصطناع لتشابه مفقود وطمس لاختلافات بينة فالامر لايختلف هنا كثيرا عن خلط عناصر غير متجانسة في محيط واحد. عدا ان لكل دولة من الدول الثلاث وضعية مختلفة حتى بالنسبة للسياسة الامريكية. فالولايات المتحدة نفسها عدلت في السنوات الاخيرة نهجها تجاه ايران تاركة مساحة واسعة لديناميكية الاصلاحات التي يقودها الرئيس محمد خاتمي وللتطور الديمقراطي السلمي ولكن البطيء الذي يمكن ان ينجم عن الصراع المحتدم في هذا البلد. ولترويج هذا النهج راحت واشنطن تحث دول الخليج على التقارب مع ايران، والعمل على توفير الشروط الاقليمية لدعم اصلاحات خاتمي وانجاحها، وكانت الدول الاوروبية، سيما المانيا وبريطانيا، قد سارت على هذا الطريق نفسه. وفي الفترة التي اعقبت الهجمات الارهابية على الولايات المتحدة في سبتمبر الماضي وخلال الحرب في افغانستان اشادت الادارة الامريكية بتصرف الحكومة الايرانية وتعاونها، من هنا فان الموقف الامريكي الجديد من ايران بدا مفاجئا بالنسبة لبعض المحللين وغير مفهوم بالنسبة لبعضهم الآخر. سفينة الاسلحة يبقى تفسير واحد لتصريحات الرئيس الامريكي جورج بوش المتعلقة بمحور الشر والخاصة بايران تحديدا واشاطر شخصيا هذا التفسير الرأي ـ وهي انها جاءت كتعبير عن الغضب الامريكي من سفينة الاسلحة (كارني) التي احتجزتها البحرية الاسرائيلية في البحر الاحمر وهي في طريقها الى السلطة الفلسطينية وكشفت الولايات المتحدة عن معلومات استخباراتية مفادها ان السفينة خرجت من المياه الاقليمية الايرانية وان شحنة السلاح رتبها الناشط اللبناني المدعوم من ايران عماد مغنية بالتنسيق مع مسئولين في السلطة الفلسطينية. واذا صح هذا الكلام فان ذلك يعد بمثابة لطمة اريد بها ان توجه للجهود الامريكية التي كانت ناشطة وقت الكشف عن سفينة الاسلحة المهربة، للتوصل الى وقف لاطلاق النار بين السلطة الفلسطينية واسرائيل. اما المعنى الأبعد لهذه القضية فهو ان السفينة كانت اول دليل مباشر او ملموس على المزاعم الامريكية المتعلقة باتهام جهات ايرانية بالتدخل في النزاع الفلسطيني الاسرائيلي، ودعم الحركات والفصائل الفلسطينية المعادية لعملية السلام.لكن لما كان من الصعب على الادارة الامريكية اثبات وجود صلة بين عماد مغنية وبين الحكومة الايرانية، رغم معرفتها بعلاقات مغنية مع جهات ايرانية نافذة، سيما داخل الجناح المحافظ في النظام لذلك جاء التصريح الامريكي بمثابة رسالة تحذير عام لهذه الجهات من مغبة تكرار حادث سفينة الاسلحة المهربة، ولم يكن يقصد به حسبما يبدو اقحام ايران في الحملة على الارهاب. اهداف متعارضة وثمة معطيات كثيرة تدعم هذا الرأي ابرزها انه من غير الممكن، من الناحية العملية على الاقل، ان تدخل الولايات المتحدة في حرب مع ثلاث دول مرة واحدة، او توتر علاقتها مع دولتين وتخوض حربا في الوقت نفسه مع دولة ثالثة. وحسب التصريحات المتسارعة الصادرة من اوساط الادارة الامريكية ومن اوساط الكونجرس فان الهدف القادم للحرب قد يكون العراق، بغية الاطاحة بنظام الرئيس صدام حسين، ورغم عدم وجود مايثبت حتى الآن علاقة العراق بالهجمات الارهابية على الولايات المتحدة، او بتنظيم القاعدة على نحو ادق، فان واشنطن قد لاتعدم الوسائل لاستفزاز الحكومة العراقية ودفعها لارتكاب اخطاء تكون مبررا لعمل عسكري لاحق، وفي هذا الصدد قد يكون تصعيد قضية مفتشي الاسلحة ومسألة دخولهم العراق الطريق الذي يتم عبره ارتكاب تلك الاخطاء. ايا يكن الحال، فان في مثل هذه الحالة ستكون الولايات المتحدة بحاجة الى المزيد من الحلفاء في المنطقة للقيام بعمل عسكري ضد العراق، ومن بين هؤلاء سيبرز دور ايران التي ستسعى واشنطن الى شراء حيادها او سكوتها على الاقل، ولن يتسنى حصول ذلك في حال وجدت طهران انها قد تكون هدفا يوما ما لعمل امريكي عسكري. درء مغامرة اسرائيلية وثمة من يقرأ تصريحات الرئيس بوش حول محور الشر على نحو مختلف فربما كانت لهجة التصعيد الامريكية ضد ايران وتحديدا ضد اسلحة الدمار الشامل، تخدم هدفا بعيدا تماما عن مرماها. ربما كان الهدف هو محاولة ثني اسرائيل عن القيام بمغامرة عسكرية ضد ايران، واقناعها بان الولايات المتحدة ستتكفل بهذا الملف. فإسرائيل تحاول منذ بعض الوقت ان تعطي اشارات على عزمها ضرب المفاعلات النووية الايرانية على غرار ضربها لمفاعل تموز النووي في العراقي عام 1981. ويبدو ان قضية سفينة الاسلحة المهربة، والوضع المتأزم في الاراضي الفلسطينية، قد انضجا قناعة بهذا الصدد، وتشير انباء الى ان الاسرائيليين يناقشون هذه المسألة على اعلى مستوى مع نظرائهم الامريكيين. وبالطبع لاتريد الولايات المتحدة دخول اسرائيل ضمن حملتها لمكافحة الارهاب، خشية من افساد هذه الحملة، او على اضعف تقدير افسادها قبل تحقيق اهدافها، فقيام اسرائيل بأي تحرش ضد الايرانيين من شأنه ان يفجر الاوضاع في المنطقة، وربما ادى الى فتح جبهات توتر جديدة يكون من الصعب اغلاقها، سيما في منطقة الخليج وفي لبنان وفي آسيا الوسطى، وهذا كله لايناسب الاستراتيجية الامريكية في المنطقة، ولايفيد كثيرا حملتها ضد الارهاب. اخيرا يمكن القول ان اوقاتا عصيبة تنتظر المنطقة، لكن اوقاتا لاتقل عن ذلك تنتظر ايضا الاستراتيجية الامريكية. وبودنا لو تمكنت هذه الاستراتيجية من اقتلاع الشر من كل مكان في العالم، ولكن هل نجح احد من قبل في اقتلاع الشر؟ان الولايات المتحدة تتحدث الآن فحسب عن محور الشر، ولكن هل هذا هو محور الشر الوحيد؟ وماذا عن اطرافه وامتداداته الضخمة في كل مكان؟ اننا نأمل ان ينجح الامريكيون في مهمتهم ونخشى في الوقت نفسه ان ينهكهم الشر ويبدد قواهم وقوى العالم معهم سدى. ـ كاتب بحريني