تزداد حالة التوتر المرتبطة بالوضع الفلسطيني، وهناك حالة صعبة لمزيد من المواجهة بين الفلسطينيين واسرائيل في الجوهر، المسئول الأول والأخير عن الحالة القائمة وتطوراتها ومشتقاتها هو استمرار الاحتلال، فهو الذي يدفع الناس الى المقاومة والى العنف. وبينما لا يختلف الشعب الفلسطيني عن الشعوب الأخرى في قضية المقاومة، إلا ان الظروف القاهرة التي يخضع لها اليوم تجعل ثمن المقاومة الراهنة أكبر من المعتاد. بمعنى آخر المقاومة بشكلها الراهن تقع في ظل مثلث خطر ووضع دولي غير مؤات وحالة عربية ضعيفة. ومع ذلك لن يكون هناك قبول بحالة الاحتلال، أو قبول بنتائجه وسياساته. هكذا تستمر المقاومة في ظل أسوأ الظروف وتستمر حالة الانسداد السياسي في فرص الحل والسلام. وتقع مقاومة اليوم في ظل عالم سياسي تشكل في ظل احداث الحادي عشر من سبتمبر، وهو عالم دفع بقوى دولية عديدة الى اليمين مما أضعف الكثير من مواقع القضية الفلسطينية في الساحة الدولية والامريكية. فبينما كان شارون خاصة قبل الحادي عشر من سبتمبر الى يمين الرئيس بوش وكان شارون يعاني من ضغوط نسبية من الادارة الامريكية ومن أوروبا وروسيا مما وضع سقفاً محدداً على مغامرته، نجد الكثير من الامور تغيرت بفضل ارهاب الحادي عشر من سبتمبر. هكذا في ظل الحرب على الارهاب انتقلت الادارة الأمريكية الى مواقع اليمين وكذلك انتقلت الى اليمين أوروبا ومعظم دول العالم في التعامل مع عالم الاسلام ومشكلاته. في هذا أصبحت المقاومة الفلسطينية بشكلها الراهن في وضع صعب ومرمى نيران معقد. الحرب على الارهاب وضعت الكثير من قضايا المسلمين في مواقع صعبة غير مؤاتية وأثارت التساؤلات حول الكثير من السياسات. ولكن ما هو مشروع شارون الراهن؟ إن مشروع شارون يهدف الى انهاء كل ما جاء من اتفاقات أوسلو من وعود في دولة فلسطينية وانسحاب من الضفة وغزة وآفاق حل نهائي على الاستيطان والقدس واللاجئين، وهو يسعى لتنصل الادارة الامريكية من هذه المواقف والالتزامات كما وردت على لسان الرئيس بوش ووزير خارجيته كولن باول. شارون لا يريد حلاً نهائياً، بل هو اليوم لا يجد أرضية للحل النهائي ويسعى لتقويض واضعاف هذه الأرضية. لهذا يبقى هدف شارون الرئيسي هو انهاك الفلسطينيين الى الحد الذي يقبلوا من خلاله باتفاق سلام مؤقت على شكل هدنة لسنوات خمس أو أكثر دون أية وعود بانسحاب اسرائيلي أو حل نهائي عادل. إن الحالة القائمة في فلسطين هي في الجوهر صراع ومقاومة من أجل انسحاب اسرائيل وخروج الاحتلال وعدم التورط في اتفاق مؤقت يكون فخاً للوضع الفلسطيني برمته. في هذا الاطار لا خيار أمام الفلسطينيين سوى استمرار المقاومة مع الاستمرار في دعوة الاسرائيليين الى العودة لمفاوضات السلام والسعي للتفاوض على المسألة المركزية: الانسحاب الاسرائيلي وأسس السلام العادل. إن أزمة شارون الكبرى انه بين نارين، النار الأولى هي نار مجتمعه الذي يطالب بضمان أمن اسرائيل وايقاف المقاومة المنبثقة من المجتمع الفلسطيني، وفي فشله هذا نجده يواجه النار الثانية التي تنطلق من فئات اسرائيلية هي اليوم في مصاف الأقلية المتصاعدة ترى ضرورة الانسحاب من الأراضي المحتلة.. إن مشكلة شارون انه يريد الاثنين معاً: الأمن والاحتلال والاستيطان بالوقت نفسه. ولكن الاحداث تؤكد بأن الأمن والاحتلال أمرين متناقضين لا يمكن تحقيقهما بالوقت نفسه دون الدخول في مرحلة فوضى وعنف. إن الوضع الراهن يجب ان يفرض نفسه على الأجندة العربية، وهو أمر يجب ان يفرض نفسه على الأجندة الدولية، فبالرغم من ضعف الموقف العربي نتيجة تطورات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، فإن المستقبل يتطلب تحركا سريعاً لايقاف هذا الوضع الدموي واللاانساني. ـ أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت