بعد ان فشلت ادارة بوش في حشد تأييد حلفائها الاوروبيين لمخططها الشرير لضرب العراق فانها قررت التوجه صوب الدول الغربية لتحصل على غطاء غربي يضفي شرعية على المخطط زوراً وبهتاناً. هذا هو البند الاول على اجندة الجولة التي يعتزم القيام بها نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني الشهر المقبل والتي تشمل 11 دولة اغلبها عربية فهل تحصل واشنطن على ما تريد؟ هذا هو السؤال المباشر الذي يطرأ على الذهن لكنه ليس بحال من الاحوال السؤال الأهم والاساسي. ان السؤال الحاسم الذي يجب ان يطرح عربياً وبقوة بعد خمسة شهور من الحملة الامريكية «لمحاربة الارهاب» هو: الى متى تبقى الدول العربية الطرف المتلقي في اطار العلاقة العربية الامريكية؟ مثل هذا التساؤل جهرت به مؤخراً مجموعة دول الاتحاد الاوروبي تجاه واشنطن بنبرة استهجانية جادة، بزعامة فرنسا نرى اليوم تمرداً أوروبيا متناميا ضد «أحادية» السياسة الامريكية. ويبدو المشهد وكأن الدول الاوروبية تقوم الآن بعملية حساب للذات على مجاراتها الاستغلال الامريكي البشع للمناخ العاصف الناشيء من احداث سبتمبر لتفرض واشنطن رؤيتها الخاصة وتطبق اجندتها الذاتية على حساب العالم كله بما في ذلك اقرب الحلفاء. فهل تنهض الحكومات العربية ايضا لتقول: لا للأحادية الامريكية؟ ـ ان الحكومات العربية اولى من حكومات الاتحاد الاوروبي باتخاذ المبادرة في معارضة الولايات المتحدة، فأبرز القضايا التي اعلنت الدول الاوروبية بشأنها مواقف معارضة ضد الاجندة الامريكية هي في الحقيقة قضايا عربية في مقدمتها العدوان العسكري الامريكي المرتقب ضد العراق والصراع الفلسطيني الاسرائيلي والتوسع الامريكي فيما تعتبره ادارة بوش حرباً عالمية على الارهاب. وبين ثنايا هذه القضايا الكبرى هناك قضايا متفرعة مثل مصير الألوف من المعتقلين العرب والمسلمين الذين تحتجزهم القوات الامريكية داخل الاراضي الافغانية او في معسكر جوانتانامو سييء السمعة. لقد آن الآوان للدول العربية ان تتمرد اقتداء بالتمرد الاوروبي، وجولة تشيني المرتقبة تمثل فرصة لاشهار هذا التمرد. في كل عاصمة عربية مشمولة بجولته في مارس سيقول ديك تشيني للمسئولين ان العراق أولوية قصوى وفلسطين قضية ثانوية وانه لا رابط بين القضيتين وانطلاقاً من هذه الرؤية سوف يطالب نائب الرئيس الأمريكي الحكومات العربية أولاً بدعم مطلق للهجوم الأمريكي المرتقب ضد العراق الشقيق، وثانيا بالضغط على الرئيس عرفات للقضاء على نشاط المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي بنسبة مئة في المئة. وما تتوقعه واشنطن بالطبع هو موافقة عربية فورية غير مشروطة وبلا مناقشة «فأنت إما معنا أو ضدنا». وهذه هي الاحادية القبيحة التي تجهر الآن دول أوروبا بمعارضتها، ومن سخرية القدر ان موقف دول الاتحاد الأوروبي الأخير بشأن المخطط الأمريكي لضرب العراق والضغط الأمريكي على الفلسطينيين مع تحيز فاضح لصالح اسرائيل متقدم حتى الآن على أي موقف عربي جماعي. أليس إذن من الأجدر بالدول العربية وهي المعنية بالأمر أكثر من غيرها في قضيتي العراق وفلسطين ان تتخذ حيال جولة تشيني موقفاً في مستوى الموقف الأوروبي على أقل تقدير؟ كالدول العربية وغيرها شجبت دول الاتحاد الأوروبي أحداث التفجيرات في نيويورك وواشنطن ومن ثم دعمت الحملة الأمريكية ضد «الارهاب» دون تحفظ، لكن الأوروبيين يقولون الآن «كفى» بعد ان اكتشفوا ان الولايات المتحدة تستغل التعاطف الدولي الذي أتيح لها لتحقيق أهداف ذاتية باسم مواصلة مكافحة الارهاب. وبهذا أعلن الأوروبيون التمرد انطلاقاً من الغيرة على السيادة الوطنية فماذا يقول العرب؟