لاشك ان المواطن العربي، سوف يسر كثيراً، عندما تشرع الفضائية العربية الجديدة بثها من تونس بدءاً من شهر يونيو لعام 2002، فهذه القناة التي ترعاها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تختلف عن الفضائيات التقليدية السابقة، في كونها موجهة الى العالم بأسره، ولكن الغبطة ستكون أعظم، عندما يتحقق وعد مؤتمر وزراء الاعلام الذي عقد في القاهرة منذ اكثر من نصف عام، باطلاق فضائيات عربية جديدة تبث برامجها باللغات الاجنبية الحية، فهذ هو الطريق الفعال لاعلاء صوتنا الذي مازال خافتا، وايصاله الى باقي انحاء المعمورة. لقد اصبح الشعور بتقصير الاعلام العربي أو قصوره، اكثر وضوحاً، اليوم، مما كان في اي وقت مضى، ولاسيما في ضوء اتجاه جهات عالمية عديدة نحو نعت الكفاح الفلسطيني المشروع بالارهاب، من بعد ما كانت تشيد به وتنزله اعلى المنازل. فهذا دليل صريح وفاضح على اخفاقنا في توضيح قضايانا بطرق اعلامية مناسبة تقنع الشعوب الاخرى بعدالة نضالنا المسلح ضد قوى العدوان الاسرائيلية. ولاشك ان العلل التي تجثم على كاهل اعلامنا العربي، وتحول دون تمكنه من القيام بدوره الطبيعي الكامل في خدمة تطلعاتنا، كثيرة لا تحصى، ولكن من اهمها توجيه جزء كبير من طاقاته للاستهلاك الداخلي العربي، ولتلبية مصالح النخب الحاكمة، ويرتبط بهذه العلة، بالطبع، الاتجاه نحو الذاتية والابتعاد عن الموضوعية، إلا اننا نقول للحق ان الاعلام، في اي بلد من بلدان العالم، لا يمكن ان يكون موضوعيا وحياديا، مئة بالمئة، بل ان الامور في هذا المجال تبقى نسبية، اذ يختلف معدل نزاهته بين دولة ما واخرى، وذلك لان الذين يمولون اجهزة الاعلام من صحافة واذاعة وتلفاز، ويرعونها، لهم مصالحهم الخاصة بالطبع، الى جانب تطلعاتهم الوطنية، وكثيراً ما يسعى هؤلاء الى تكييف هذه الاجهزة مع توجهاتهم وشدها نحو رؤاهم وايديولوجياتهم، وكما اسلفنا فإن نسبة الابتعاد عن الموضوعية متفاوتة، وهي تكبر كلما ازدادت الدولة تخلفاً، وأوغلت في دروب الانحطاط، حتى ان الموضوعية فيها تختفي احيانا وتتوارى بصورة شبه كاملة، فلا يظهر لها اثر، وفيما يخص اعلامنا العربي، يبدو لي انه يتراوح بين التعددية النسبية والتوجيه الاحادي، وهو في معظم حالاته، يعاني من وطأة الترويج الدعائي الذي يطغى احيانا على كل ما عداه، ولا يستطيع احد ان يزعم بأن اعلامنا متخلف في بنيته ومضموناته الفعلية، بل هو كذلك بسبب تكبيله وتوجيهه. ولا ننكر ان هناك دوريات عربية كثيرة راقية تصدر داخل وطننا الكبير، وفي المهاجر، ناهيك باقنيتنا الفضائية المتزايدة والتي تزودنا بأحدث الاخبار الطازجة، وتضع آراء المفكرين والمثقفين على مائدة النقاش والحوار الساخنين، ولا ننسى كذلك محطاتنا الاذاعية التي تصل الى بقاع نائية من العالم، ساعية على قدر طاقتها، الى التثقيف والتوجيه وشرح قضايانا القطرية والقومية. وبتعبير آخر، فليس هدفنا الآن التقليل من شأن الاعلام العربي والتفتيش عن ثغراته ونبش سلبياته، لان من الضروري لنا، ليس في الشأن الاعلامي، وحسب، وانما في جمع منازع حياتنا، ان ننبذ منطق الشكوى والبكاء والتباكي والتحسر، وان ننتقل الى منطق تحليل الاسباب وايجاد الحلول، وبالنسبة للاعلام فإن مجالاً رحباً وفسيحاً امام امكانية الارتقاء بأدائه وتمكينه من تحقيق بعض القفزات النوعية، ويخطر لنا في هذا المجال، بعض الافكار الجديدة التي نأمل ان تكون مفيدة: 1 ـ ان معظم اجهزة اعلامنا، توظف جل طاقاتها للاخبار والاحداث الراهنة، حتى تبقى المتلقى على صلة بالمستجدات والتطورات الحالية، وهذا امر هام وجوهري، ولكن تعريف المتلقى بما يجري على الساحة، حتى لو كان ضرورة حياتية ملحة، فإنه لا يمكن القاريء أو المستمع او المشاهد من زيادة مقدرته على حل المشكلات، وهذا يعني اننا بحاجة الى مزيد من التركيز على الغوص في اعماق المشكلات الكبيرة التي تنخر في عظام المجتمع العربي وتحليلها ومحاولة تشخيص امراضها وايجاد العلاجات اللازمة لها، فكما ان المدرسة العربية متهمة بأنها تهتم بتخريج متعلمين، بدلا من بناء مثقفين، فلعلى اكون محقا اذا اتهمت الاعلام العربي، بأنه يعنى بمتابعة الاحداث الجارية اكثر من عنايته بتحليل المشكلات، ونخلص من هذا الى نتيجة مفادها ان من الضروري تكثيف الاهتمام بالتحليل الفكري والسياسي والثقافي، دون التقصير في مجال مواكبة الاخبار والوقائع المستجدة. 2 ـ ان من الواجب تبسيط المادة السياسية في اجهزة اعلامنا، حتى يتمكن القاريء العادي من فهم مغازيها وادراك معانيها، فالكتابة تهدف اصلا الى توعية الجماهير، بملايينها الغفيرة، اكثر من النخبة، باعدادها القليلة المحدودة، مما يستدعي الابتعاد ما أمكن عن المنهجيات السياسية المطولة وقصرها على الدوريات الاكاديمية الفعلية، اما الصحف اليومية والمجلات الاسبوعية والشهرية، واجهزة البث الاذاعي والتلفازي، فيحسن بها تقديم المادة السهلة المبسطة التي لا تستعصي على ادراك المتلقي مهما كان مستواه الفكري والثقافي. 3 ـ ان من الضروري بمكان، ان تكون المادة السياسية والاجتماعية والثقافية، مرتبطة بالواقع الراهن المعاش والحياة اليومية العملية، بدلاً من تقديم موضوعات نظرية سفسطائية، يشعر القاريء العادي وهو يقرؤها، انها غريبة وبعيدة عن معاناته ولا علاقة لها بهمومه وشجونه، بل انها احيانا قد لا تمت بصلة الى ما يجرى على الارض. 4 ـ لعل من نافلة القول، التأكيد من جديد على ان اعلامنا، ينبغي ان يستهدف تلبية المصالح العربية العليا، وكشف الحقيقة الخالصة، لا ان ينساق وراء خدمة متطلبات افراد أو مؤسسات أو احزاب أو انظمة معينة. 5 ـ ونستطيع ان نضيف الى ما سبق، كما اشرنا في بداية هذا المقال، ضرورة التوسع في اطلاق الفضائيات والمحطات الاذاعية، وفي اصدار الدوريات التي تبث وتنشر موادها الاذاعية والصحفية، باللغات الاجنبية، لان اقناع العالم بشرعية حقوقنا ونضالنا اهم بكثير من اقناع العرب انفسهم بهذه الشرعية. وبعد فإن اعلامنا يعاني من المشكلات بقدر معاناة باقي قطاعات حياتنا، فهو ليس عضواً منفصلاً عن الجسد العربي المريض، وعندما تتحسن احوال هذا الجسد وتنتعش اعصابه المخدرة، وتمتليء شرايينه وأوردته بالدماء، سنجد ان الاعلام العربي، سيأخذ طريقه تلقائيا نحو السداد والفاعلية وسلامة التوجهات. ـ كاتب سوري