«ولدت في اسرائيل عام 1972، فكيف يمكن للحياة ان تكون بالنسبة لجيلي؟.. ولان جيلي مكتئب مثل اكتئاب اصابعي عندما يطلب مني الكتابة عنه، فإن هذا الجيل يعاني من الشلل التام».هذه بعض العبارات من مقال طويل نشرته الروائية الاسرائيلية الشابة دوريت رابينيان في صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية في 9 ديسمبر الماضي ، عن حكاية جيل شاب ضائع في اسرائيل، والمقال يعبر عن حالة نفسيه عامة تعتري جيل الشباب في اسرائيل الآن حيث يعيشون مرحلة احباط وضبابية وعدم رؤية واضحة للمستقبل في ظل اوضاع اقتصادية وسياسية وعسكرية تزداد كل يوم صعوبة عن الآخر. فعلى صعيد الأمن الذي تتكفل به الولايات المتحدة بكل غطرستها وجيش الدفاع الاسرائيلي بكل امكاناته نشرت صحيفة «لوس انجلوس تايمز» الامريكية في 4 يناير الماضي تقريراً أشارت فيه الى ان 250 اسرائيليا قتلوا واصيب 2300 آخرين بجراح منذ اندلاع الانتفاضة في 25 سبتمبر 2000 في مقابل مقتل 800 فلسطيني بينهم 194 طفلاً، وذلك حسب صندوق رعاية الطفولة «اليونيسيف» التابع للامم المتحدة فيم اصيب عشرة آلاف بجراح، وهذه المعادلة تبين ان الاسرائيليين يخسرون ما معدله 17 قتيلاً شهرياً واكثر من مئة وخمسين جريحا وان معدل الاصابات بينهم وبين الفلسطينيين يكاد يكون واحداً الى اربعة مما يعني ان هناك معركة حقيقية لان خسائر بعض الجيوش العربية في المعارك التي خاضتها ضد اسرائيل كانت معدلاتها اكبر من ذلك. هذا الوضع الامني المتردي مع استمرار الانتفاضة والعمليات الاستشهادية وضع اسرائيل حسب تقرير المكتب المركزي للاحصاء الاسرائيلي في تل ابيب في اسوأ وضع اقتصادي بالنسبة للناتج المحلي الذي سجل صفرا في العام 2001 وذلك منذ العام 1953، كما انخفضت الصادرات الاسرائيلية بنسبة 13% عما كانت عليه قبل الانتفاضة، وعجزت الحكومة الاسرائيلية حتى الآن عن تقديم ميزانيتها للعام 2002 مما يهدد بانتخابات مبكرة اذا لم تقدمها حتى 31 مارس المقبل، ولاول مرة في تاريخ اسرائيل ترتفع نسبة البطالة لتتجاوز نسبة 10%، كما تضررت كافة مجالات الحياة في اسرائيل ففي مجال السياحة نشرت صحيفة «الجيرزاليم بوست» الاسرائيلية ان عدد السياح الوافدين الى اسرائيل انخفض بنسبة 50% في العام 2001 عما كان عليه في العام السابق له، وان حجم الاشغال في الغرف الفندقية انخفض بنسبة 60% وان 25 فندقاً قد اغلقت ابوابها فيم تم تسريح 28 الف موظف اسرائيلي يعملون في مجال السياحة من وظائفهم، اما شركة العال الاسرائيلية فقد خسرت 109 ملايين دولار في العام 2000 ارتفعت الى 160 مليوناً حتى بداية اكتوبر الماضي وذلك حسب تصريحات المتحدث باسم وزير النقل افرايم سنيه فيما اغلقت الشركة 10 مكاتب خارجية والغت الرحلات اليها، اما شركات الطيران الدولية فانها اصبحت ترفض مبيت طائراتها واطقمها في اسرائيل واختارت قبرص بديلا بسبب فقدان الأمن في اسرائيل. اما على صعيد الهجرة التي تعتبر عصب استمرار الدولة العبرية فقد فجر الوزير السابق يوسي بيلين فضيحة في اسرائيل في نهاية يناير الماضي حينما اعلن ان ابناء الوزراء والمسئولين او ما يطلق عليه «ابناء النخبة الاسرائيلية» اصبحوا شبه نازحين في الخارج وكثير منهم بسبب فقدان الامن وعدم الرغبة في الاستمرار في الحياة في اسرائيل، ونشرت صحيفة معاريف الاسرائيلية تقريرا عن هذا الموضوع في 28 يناير الماضي ذكرت فيه اسماء كثير من المسئولين الاسرائيليين وابنائهم، وقد فجر هذا قضية الهجرة المعاكسة التي تشهدها اسرائيل حيث نشرت صحيفة «الاوبزرفر» البريطانية تقريرا اشارت فيه الى الطلبات التي تلقتها السفارة الكندية في اسرائيل من الراغبين في الهجرة الى كندا قد ازدادت بنسبة 50% عما كانت عليه من قبل اما صحيفة «لوموند» الفرنسية فقد نشرت تقريرا في ديسمبر الماضي اشارت فيه ان معدلات المهاجرين الى اسرائيل قد انخفضت بنسبة 35 الى 45% عما كانت عليه قبل الانتفاضة، اما النزوح من اسرائيل فقد ارتفع بنسبة 35% عما كان عليه من قبل، اما صحيفة «هاآرتس» الاسرائيلية فقد اشارت في عددها الصادر في 3 ديسمبر الماضي الى ان معدلات الهجرة من المستوطنات الى داخل اسرائيل قد ارتفعت بسبب فقدان سكان المستوطنات للأمن وهذا يعني وجود كارثة حقيقية في اسرائيل. اما في مجال الصناعة فيقول رئيس قسم الاقتصاد في اتحاد الصناعيين في اسرائيلي شوكي ايروبيتش ان 41% من المصانع في اسرائيل قلصت انتاجها وان 35% قلصت عملها، وان 100 مصنع صغير ومتوسط قد أغلقت ابوابها بينما توقف 300 مصنع عن العمل منذ سبتمبر 2000 وحتى نهاية 2001، وطبقا للجهاز المركزي للاحصاء والبنك المركزي الاسرائيلي فقد انخفض الانتاج الصناعي في مجال التكنولوجيا في الفترة من اكتوبر 2000 وحتى يوليو 2001 بنسبة 13.5% وادوات النقل 38% واجهزة الاتصال 11% والاجهزة العلمية 14% اما قطاعات المواد الغذائية والجلود والورق والخشب فقد سجلت ركودا تاما. وعلى صعيد المدخرات كشف وزير المالية الاسرائيلي ان الاسرائيليين سحبوا خلال شهر مايو الماضي فقط 2 مليار دولار من مدخراتهم وان مجموع ما سحبوه خلال خمسة اشهر فقط بلغ 8 مليارات دولار ونصف فيما انخفضت قيمة العملة الاسرائيلية الشيكل امام الدولار بنسبة 20% خلال الاشهر الماضية. اما العنف الذي يمارسه الاسرائيليون فانه اصبح ينعكس على كل فئات المجتمع من الجيش الذي سجل معدلات عنف عالية بين جنوده بعضهم البعض وحتى المدارس التي سجلت أعلى معدلات عنف بين التلاميذ في العالم وبلغت 24%. هذا بعض ما فعله أطفال الحجارة والانتفاضة في اسرائيل خلال ستة عشرة شهرا وهو ما عجزت جيوش عربية كثيرة عن فعله طوال العقود الماضية.. والمشكلة الآن هو ان العرب ليسوا فقط عاجزين عن دعم الانتفاضة وانما حتى عن قطف ثمارها؟! ـ كاتب واعلامي مصري