معركة تحرير القدس بدأت تأخذ اتجاهاً آخر منذ أن ظل عرفات في سجن مكتبه الاجباري وصار التركيز حول البديل المناسب له في هذه المرحلة الحرجة من عمر القضية المحورية للأمة، هو الهم الأهم. وهذا الاتجاه المعاكس لمتطلبات الصراع وإدارته لصالح العرب يقصد به اشعال الفتيل الداخلي واطلاق الصواريخ الكلامية على من يفكر بان هناك في الوجود رجلاً يمكن ان يحل محل عرفات لقيادة السلطة الفلسطينية. وكان هذا واضحاً في احاديث رجال السلطة سواء من الداخل أو ممن اعلنوا ذلك عبر المنابر الاعلامية في الدول العربية التي قاموا بزيارتها في الآونة الأخيرة. فمن الداخل الفلسطيني كانت تهديدات رئيس المخابرات لا تحمل الا لغة الاعدام لكل من يطرح نفسه بديلا لعرفات، وآخرون من اعضاء المنظمة اشاروا الى وجود خيانات سياسية وعلامات على تدخل الموساد من خلال حامل ملف القدس واتهامه بتغيير الثوابت الفلسطينية والتي من بينها عودة اللاجئين. وكان هذا العنصر ايضا مدار حديث المناورة الاخيرة للرئيس الفلسطيني من حيث التنازلات القادمة في هذا الملف الشائك. ان اشعال الجبهة الداخلية ببدائل مناسبة لعرفات والحديث عن محاولات لاغتياله من قبل عناصر مشبوهة اسرائيليا، ومن ثم اتهام الاسلاميين على وجه الخصوص بتدبير ذلك مع اصرار امريكا واسرائيل للحفاظ على عرفات شخصا وسلطة، حتى آخر الرمق السياسي له، كل ذلك دليل على أن السياسة الدائرة رحاها داخليا وخارجيا لا تقبل بغير السلطة الفلسطينية بديلاً للانتهاء من الازمة الخانقة حاليا على الارض. فكل الجهات المعارضة لطرح السلطة في تعاملها مع الاعداء والاصدقاء والاشقاء لا تناسب في نظر الامريكيين والاسرائيليين ومن خلفهم الاوروبيون بدائل في حل الصراع المتجدد، لان هؤلاء جميعاً ابتداء من حماس والجهاد والجبهة الشعبية والديمقراطية وانتهاءً بالفصائل الاخرى افراداً كانوا أم جماعات وضعوا في سلة الارهاب بما فيهم المنظمة الفلسطينية التي تقود الحملة الشرسة على كل الجبهات، الا ان ميزان السياسة مازال في كفة السلطة الفلسطينية وعلى رأسها الرئيس عرفات. لان لعبة شد الحبال معروفة، فكل ما يحدث على الساحة التي فاقت درجة الغليان داخل في ذلك الشد، رغم ان الارخاء هو مطلب الجميع الا ان الرغبة وحدها ليست كافية لتحقيق الاهداف المرحلية لعملية السلام الضحية الواضحة في هذه اللعبة القديمة. واهم من كل ذلك، الالتفات الى القضية الام بعيداً عن الدخول في الصراع على الاشخاص، لان كل القيادات الفلسطينية سواء القائمين على السلطة أو المعارضين لها من الناحية الرمزية والمعنوية يحملون رسالة واحدة الا وهي تحرير الارض المغتصبة وحقوق الانسان الفلسطيني المنهوبة وتطهير المقدسات المسلوبة من دنس الصهاينة الذين لا يراعون أي مبدأ ولا يتفقون على شيء إلا على صب المزيد من وقود الناس والحجارة على الزيت.