يبدو خطاب الرئيس الأمركي جورج بوش حول حالة الاتحاد أشبه ما يكون بإعلان حرب مفتوحة وطويلة الأمد.. ميدانها العالم بأسره وهي حرب هدفها الحقيقي فرض الهيمنة الأمريكية السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية على العالم كله، تحت شعارات مطاطة تحتمل شتى التأويلات كالحرب على الارهاب، أو شعارات عدوانية مباشرة كالحرب على محور الشر الذي تحتكر واشنطن وحدها حق تحديد أطرافه!! أو شعارات تتصل بالقيم والمبادئ والمعايير التي يتحتم على الولايات المتحدة أن تقود العالم صوبها«..» مثل التسامح الديني واحترام النساء وفقاً للمعايير الأمريكية بالطبع. واتسمت لهجة خطاب الرئيس الأمريكي بطابع شديد العدوانية لدرجة أثارت غضب واستنكار ليس فقط الأطراف التي شملتها تهديداته، وخاصة الدول الثلاث التي وصفها بأنها محور الشر «العراق وإيران وكوريا الشمالية» والمنظمات التي اتهمها بالارهاب «حزب الله وحماس والجهاد وجيش محمد الكشميري».. بل وأثارت أيضا حملة انتقادات واسعة داخل الولايات المتحدة نفسها. فحتى شخصية يصعب وصفها بالاعتدال مثل وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت كان تعليقها على خطاب بوش أن إدارة الجمهوريين فقدت صوابها على صعيد السياسة الخارجية.. كما وصف معلقون سياسيون أمريكيون الخطاب بأنه إعلان حرب.. وتراوحت مواقف القوى الدولية، بما فيها حلفاء أمريكا، بين الاستنكار والتحفظ والإعراب عن القلق. وانتقد وزير الخارجية البريطاني جاك سترو خطاب بوش، ووصفه بأنه تصريحات للاستهلاك المحلي قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس! إلاّ أن الاعلان عن الميزانية العسكرية الأمريكية بالتزامن مع الخطاب، جاء ليبدد أية أوهام حول فكرة الاستهلاك المحلي فقد طلب الرئيس بوش في مشروعه للميزانية زيادة ميزانية وزارة الدفاع البنتاجون بنحو «48 مليار دولار» لتصل الى «379 مليار دولار» ولتكون أكبر ميزانية عسكرية في تاريخ الولايات المتحدة، الأمر الذي لا يترك مجالا لأي شك في اتجاه واشنطن لخوض مزيد من الحروب، وتأكيد هيمنتها العسكرية على العالم، على نحو ما سوف نشرح في موقعه من مقالنا. الحرب في بدايتها! إذا كان الهدف المعلن للحرب الأمريكية على أفغانستان هو تصفية تنظيم القاعدة وتدمير معسكراته، والإطاحة بحركة طالبان التي احتضنته، والقبض على زعماء التنظيم والحركة ومحاكمتهم، فإن هذا الهدف سرعان ما بدأ يتسع وتتفرع عنه أهداف أخرى، لتشمل الحملة على الارهاب عشرات التنظيمات الاسلامية من إندونيسيا والفلبين إلى كشمير وأفغانستان وآسيا الوسطى، وصولا الى المشرق العربي «حزب الله وحماس والجهاد» والقرن الإفريقي. وقد تكفلت الغارات الأمريكية باعادة تدمير أفغانستان علاوة على ما كانت هذه تعانيه من دمار! وسقط خلال الشهور الماضية عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، وتشرد مئات الآلاف. وتمت الإطاحة بطالبان وتصفية معسكرات القاعدة وقتل آلاف من أعضائهما وكوادرهما. وبغض النظر عن هروب أو مصرع بن لادن أو الملا عمر وبعض الزعماء الآخرين، فالمفترض أن هذه الحرب الضروس قد حققت أهم أهدافها المعلنة. إلا أن المفاجأة الحقيقية التي جاء بها خطاب بوش هي أن المعلومات الاستخبارية الجديدة! أشارت الى أن بن لادن قد قام بتدريب عشرات الآلاف من أنصاره، وأن هؤلاء ينتشرون في أكثر من ستين دولة! ووصف بوش هؤلاء بأنهم قتلة خطرون ينتشرون في مختلف أنحاء العالم ويمثلون قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أية لحظة. وما دام هؤلاء موجودين فإن الحرب على الارهاب لا تزال في بدايتها. وستواصل أمريكا تعقب هؤلاء الارهابيين في كل مكان في العالم.. وعلى جميع الدول أن تساعدها في هذه المهمة، وفي مقدمتها بالطبع تلك الدول التي يوجد بها الارهابيون. وأضاف مهددا: إذا لم يتحركوا فإن أمريكا ستتحرك!! وهنا نصل الى بيت القصيد.. إن الولايات المتحدة تعطي لنفسها حرية التدخل في أكثر من ستين دولة تفترض وجود جماعات اسلامية متطرفة على أراضيها. إذا لم تقم هذه الدولة بتصفية تلك الجماعات بالطريقة التي تراها واشنطن مقنعة! وهكذا فإن الدولة اللبنانية «ومعها سوريا» إذا لم تقم بتصفية حزب الله، فإن أمريكا تعطي لنفسها حق التدخل لتصفيته بشكل أو بآخر، أو إعطاء الضوء الأخضر لاسرائيل مثلا للقيام بهذه المهمة! ويمكن هنا تصور أشكال عديدة من العقوبات الاقتصادية الى عمليات الاغتيال والاختطاف والتخريب، إلى الغارات الجوية والقصف بصواريخ كروز وتوما هوك.. إلخ.. إلخ. واذا لم يتحرك عرفات لتصفية حماس والجهاد والجناح العسكري للجبهة الشعبية مثلا، فإذا واشنطن ستطلق يد تل أبيب في تخريب البنية التحتية للسلطة الفلسطينية، وقتل كوادر تنظيمات المقاومة والمواطنين الأبرياء والأطفال والشيوخ على السواء، واعتقال رئيس السلطة الفلسطينية في مقر إقامته، أو طرده، وفرض الحصار والتجويع على شعب فلسطين.. إلخ.. إلخ.. فإذا احتج عرفات أو استغاث بالراعي الأمريكي يكون الرد: إنه يعرف جيداً ما ينبغي عليه أن يفعله لكي نستطيع مساعدته. لكن الاجراءات الأمنية والقضائية مهما تكن صارمة لا يمكن أن تكون كافية لاجتثاث جذور الارهاب. فهذا الأخير ظاهرة معقدة لها جوانبها الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي ينبغي معالجتها لتحجيم ظاهرة الارهاب الى أقصى حد ممكن. فمناخ التطرف والانغلاق الفكري على سبيل المثال يقدم تربة ملائمة لنمو الارهاب.. ومثل هذه الأمور محل اتفاق بين أصحاب الفكر الديمقراطي في كل مكان غير أن الأفكار التي جاء بها خطاب الرئيس بوش في هذا الصدد يمكن اعتبارها بمثابة اعلان حرب ثقافية على العالم الاسلامي وعلى ثقافات أخرى بما فيها ذلك ثقافة بعض البلدان ذات الأغلبية المسيحية، وخاصة من الأرثوذكس.فالرئيس الأمريكي يقول في خطابه أن الولايات المتحدة يتحتم عليها أن تقود العالم نحو المعايير التي تحقق سلاما دائما مثل التسامح الديني واحترام النساء وحكم القانون ولا خلاف بالطبع على حكم القانون وإن كانت أمريكا قد أهدرته بصورة مأساوية منذ أحداث سبتمبر. لكن المعايير الأمريكية للتسامح الديني واحترام النساء هي معايير غير مقبولة بالقطع في المجتمعات الاسلامية، بل وفي كثير من المجتمعات المسيحية الشرقية فالحرية الجنسية والشذوذ والزواج المثلى وما شابه ذلك كلها أمور تحرمها جميع الأديان السماوية وليس الاسلام وحده.. ولا تمثل احتراما للنساء أو للرجال.. وفي الاسلام قوانين للأحوال الشخصية والمواريث تختلف عما تقضي به المسيحية مثلا.. بينما تختلف المذاهب المسيحية نفسها في أمور عديدة فالكاثوليكية لا تبيح الطلاق، بينما تبيحه الأرثوذكسية بشروط صارمة، لا تجدها لدى البروتستانت وهكذا.. وهكذا. وهذه كلها أمور تتصل بأقدس مقدسات الناس وروابطهم العائلية وأنسابهم وعلاقتهم بخالقهم.. فكيف يريد السيد بوش فرض المعايير الأمريكية في مجالات كهذه؟؟!! ولا يتسع المجال هنا للحديث عن الخلافات العميقة بين أتباع مختلف الديانات والمذاهب في المجتمعات الغربية بما فيها أمريكا بحيث يصعب الحديث عن «معايير أمريكية» ثابتة في هذا الصدد.. وبفرض وجودها فإن محاولة فرضها على المجتمعات الاسلامية أمر لا يمت للتسامح الديني بأية صلة. بل إنها ستشعل حربا ثقافية لن ينتج عنها إلا تأجيج التطرف ومن ثم الارهاب.. وقد يكون من شأن هذا أن يفتح الباب واسعا للتدخل الأمريكي.. ولكن ليس للسلام أو التسامح الديني بحال من الأحوال. البحث عن الأعداء! يطلق بوش وصف محور الشر على ثلاث دول هي العراق وإيران وكوريا الشمالية واتهم الرئيس الأمريكي الدول الثلاث بالسعي الى امتلاك أسلحة الدمار الشامل وبأنها تمثل خطرا متزايدا على السلام، متوعدا إياها بأنه لن يسمح لها بتهديد أمريكا أو أصدقائها أو حلفائها بتلك الأسلحة. ويطفح تعبير محور الشر بالعدوانية وبأسوأ النوايا الأمريكية تجاه الدول الثلاث التي تختلف أنظمة الحكم فيها اختلافا شديدا من حيث طابعها الاجتماعي - الاقتصادي وتوجهاتها الفكرية، ولا يجمع بينها إلا مناوأتها للسياسة الأمريكية ومحاولتها للهيمنة على العالم.. ووجودها في مناطق استراتيجية شديدة الأهمية بالنسبة للسياسة الكونية للولايات المتحدة. ويبدو من نافل القول هنا أن نتحدث عن ازدواجية المعايير الأمريكية الشهيرة فالسعي لامتلاكك أسلحة الدمار الشامل - أو حتى امتلاكها لا يبدو جريمة إلا اذا قامت به دولة مناوئة لأمريكا، حتى لو كان ذلك بغرض الدفاع عن النفس. أما الترسانة النووية والصاروخية والكيماوية والبيولوجية الاسرائيلية مثلا فلا تمثل أي مصدر لقلق الولايات المتحدة.. وهي ترسانات ضخمة لا يمكن مقارنتها بالخطوات المتواضعة نسبيا التي قطعتها مساعي الدول الموصوفة بأنها تمثل محور الشر. ويمكن القول إنه مثلما كانت «الحرب على الارهاب» طريقا لتحقيق أهداف استراتيجية أمريكية في السيطرة على آسيا الوسطى وبترول بحر قزوين وطرق نقله، وحصار روسيا والصين، فإن اعلان ايران والعراق رمزين للشر، وتصعيد التوتر معهما يهدف الى استكمال وإدامة السيطرة الأمريكية على الخليج العربي بثرواته النفطية الهائلة، والقضاء على أية قوة يمكن أن تمثل تهديدا لهذه السيطرة من قريب أو بعيد كما أن تصعيد الهجوم على العراق يبدو تمهيدا لتوجيه ضربة قاسية له أمر من شأنه استمرار حالة التفكك التي يرزح النظام الاقليمي العربي تحت وطأتها واستمرار نزيف القوة العربية، بما يسهل استمرار السيطرة الأمريكية على المنطقة، مع قيام اسرائيل بدور الشريك الأصغر الفاعل فيها. كما ان تشديد الحصار على ايران من شأنه حرمان حزب الله «لبنان» والفلسطينيين وسوريا من حليف قوي، الأمر الذي تستفيد منه اسرائيل أكثر من أي طرف اقليمي آخر، وتضمن لها ولتركيا «الأطلسية» وضعا أكثر قوة في المنطقة وأكثر قدرة على اختراقها، ويضع سوريا بين فكي كماشة إسرائيلية تركية، بما يضعف وضع دمشق كثيرا في أية تسوية مقبلة. ولاشك أن تشديد الحصار على إيران من شأنه أن يسهل عملية تطويقها واحتوائها في ظل علاقات القوى الدولية الراهنة، أو ضربها وإخضاعها بالقوة في نهاية المطاف رغم المصاعب والمخاطر التي تكتنف مثل هذا الخيار. أما بالنسبة لكوريا الشمالية فإن تضييق الخناق عليها، في ظل مصاعبها الاقتصادية الشديدة المعروفة، وفي ظل وجود كوريا الجنوبية على حدودها بالنموذج الناجح اقتصاديا الذي تمثله، ووجود قوات أمريكية ضخمة فيها، كلها أمور من شأنها أن تزيد من إضعاف النظام الحاكم في بيونج يانج.. وربما تؤدي الى انهياره تحت وطأة الأزمة الاقتصادية بالذات. وإن كان التدخل العسكري الأمريكي يبدو أصعب بكثير فيما يتصل بكوريا الشمالية نظراً لمتاخمتها لكل من روسيا والصين إلا أن سيناريو الانهيار الاقتصادي - الاجتماعي الداخلي تحت وطأة تشديد الحصار، يمكن أن يقدم فرصة مناسبة للتدخل الأمريكي الذي سيحظى على الأرجح بدعم اليابان القلقة بشدة من تنامي القوة الكورية الشمالية. ومهما يكن من أمر فإن تصعيد التوتر والاستقطاب في العالم على النحو الذي يسببه ازدياد عدوانية نزعة الهيمنة الأمريكية يساعد على تعزيز سيطرة واشنطن على حلفائها الأصغر بالذات، وإنعاش صناعة السلاح الأمريكية وتوسيع أسواقها، والمضي قدما في تطوير شبكتها للدفاع الصاروخي. وكما اتسعت الحرب على الارهاب بسرعة هائلة فإن محور الشر يمكن أن تضاف اليه باستمرار دول جديدة مناوئة لأمريكا.. منها مثلا سوريا وليبيا وكوبا، وأية دولة تجرؤ على شق عصا الطاعة.. والاستفزاز الأمريكي الأخير لدمشق بتفتيش سفينتين سوريتين في البحر المتوسط مؤشر لا ينبغي إهماله في هذا الصدد. ميزانيات الحروب ويؤكد ما ذهبنا اليه في مقالنا تلك الزيادة الهائلة في الميزانية العسكرية الأمريكية المقترحة للعام المالي 2002/2003 والتي تبلغ «48 مليار دولار» لتصل بالميزانية الى «379 مليار دولار».. وهي أكبر ميزانية عسكرية في التاريخ الأمريكي والعالمي. ويؤكد ستيفن كوسياك الخبير بمركز التقويم الاستراتيجي والموازنة الأمريكي أنه مع أخذ معدلات التضخم بالاعتبار فإن هذه الموازنة تزيد بنسبة 10% عن مستويات موازنات الحرب الباردة «الحياة 1 فبراير 2002» ويؤكد وزير الدفاع رامسفيلد أن الميزانية الجديدة ستساعد الادارة الأمريكية على شراء مزيد من المقاتلات والغواصات النووية والقذائف الذكية فائقة الدقة.. فهل سيتم شراء كل هذه الأسلحة الجديدة بغرض تخزينها أم استعمالها؟؟!! أين؟؟ العالم كله ميدان للحروب الأمريكية!! الأدهى من ذلك ما نشرته النيويورك تايمز - 2 فبراير 2002 - حول اعتزام إدارة بوش الدعوة الى زيادة الميزانية العسكرية بمبلغ «120 مليار دولار» أخرى على مدى السنوات الخمس المقبلة، لتصل الى «451 مليار دولار» عام 2007.. واضح تماما أن إدارة بوش تريد أن تجعل الصناعات العسكرية قاطرة للنهوض بالاقتصاد الأمريكي.. أين سيجري استخدام هذه الأسلحة؟؟ مرة أخرى: العالم كله ميدان للحروب الأمريكية!! ـ كاتب مصري