لا شك أن عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية كان يدرك منذ البداية أن اقترابه من الملف العراقي ـ الكويتي لن يكون سهلا، وأن الطريق لتحقيق المصالحة المنشودة لن يكون ممهدا، وأن مشاعر الغضب واعتبارات الثأر العربي مازالت تحكم الكثير من المواقف، وأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تنظر بعين الرضا لأي محاولة عربية لتحقيق المصالحة وستفعل المستحيل من أجل افشالها. ومع ذلك فقد راهن الأمين العام للجامعة العربية على أن خطورة المرحلة التي تمر بها الأمة العربية ستدفع كل الاطراف لاعادة النظر في موقفها.. والرجل ليس هاويا ولا مبتدئا في عالم السياسة والدبلوماسية. وهو عندما ذهب الى بغداد، فلا شك انه قد وجد الجديد الذي ينبغي التعامل معه بجدية سواء فيما يتعلق بالعلاقة بين بغداد والكويت ودول الخليج من ناحية أو بشأن الموقف بين بغداد والأمم المتحدة. ومع ذلك فالرجل لم يزعم انه جاء بالحل السحري للموقف، ولكنه أكد انه يحمل (رسائل) مهمة من بغداد تحمل الجديد الذي يستحق المناقشة مع القادة العرب من ناحية ومع الأمم المتحدة من ناحية أخرى. ولم يتحدث الرجل في تفاصيل، بل سارع بعد ذلك بعرض الأمر على الاطراف المعنية وفي مقدمتها الكويت والسعودية، قبل أن يسافر بعد ذلك الى نيويورك ويلتقي بالأمين العام للامم المتحدة كوفي عنان الذي تعامل مع المقترحات التي حملها عمرو موسى بإيجابية وطلب المزيد من التفاصيل في محاولة للخروج من الأزمة بعد اعلان العراق - خلال هذه المقترحات - عن استعداده للتعامل من جديد مع المفتشين الدوليين عن أسلحة الدمار الشامل، وهي التقنية التي كانت تثيرها واشنطن كمبرر لوضع العراق ضمن (محور الشر) الذي أعلنه بوش والتمهيد لعدوان شامل عليه. السعودية تعاملت بهدوء ـ كعادتها ـ مع المقترحات، أما الكويت فقد أطلقت في البداية انذارا لعمرو موسى ـ على لسان رئيس مجلس الأمة الكويتي ـ بألا يتجاوز اختصاصاته، قبل أن تعلن ـ رسميا ـ رفض المقترحات العراقية. وأخيرا أعلن الرئيس المصري حسني مبارك أن معالجة هذه القضية ينبغي أن تتم في اطار القمة العربية وتلتزم بقرارات الأمم المتحدة. والأكيد هنا أن عمرو موسى يعرف اختصاصاته جيدا، وإذا كان قد اختار الا يدخل في جدل مع الذين طالبوه بعدم تجاوز هذه الاختصاصات، فلأنه حريص على الا يضيع الجهد العربي في مجادلات عقيمة، ولأنه يدرك ان المهم هو تحقيق الهدف ومراعاة المصالح القومية، ولأنه يفهم ان الجرح الغائر الذي أصاب الاشقاء في الكويت يحتاج للتعامل الهادئ حتى يتم تجاوزه. لم يرد عمرو موسى، وأظنه لن يفعل احتراما لنفسه وللجامعة العربية وللاشقاء. ولكن ذلك لا يعني اغلاق الطريق امام الجهد العربي لتحقيق المصالحة، ولا يعني الاقرار بالعجز العربي عن التعامل مع المشكلات والقضايا العربية، ولا يعني أن تتوقف المحاولات لاستعادة الوعي العربي الغائب بخطورة الموقف ولا الارادة العربية المغيبة عن التعامل الجاد معه. وبغض النظر عن اللهجة غير اللائقة التي تعامل بها البعض مع جهود الأمين العام للجامعة العربية، وموقفه الصائب في عدم الدخول في جدل يبعد ولا يقرب، ويشتت الجهد عن القضايا الأساسية، فإن ماينبغي التوقف عنده في هذه التجربة كثير ومفيد: إن عمرو موسى لم يتحرك من فراغ، ولم يتعد اختصاصاته. فهو يتحرك في اطار اتفاق عربي عام على ضرورة المصالحة، وبتكليف من القمة العربية السابقة التي كادت تصل الى اتفاق بشأن ما أسموه الحالة العراقية ـ الكويتية، لكن الاتفاق تعثر في اللحظات الاخيرة وتبادل الطرفان توزيع المسئولية عن هذا الاخفاق، وتم الاتفاق على مواصلة الجهود وبمشاركة من الأمين العام لانهاء النزاع. ومع ذلك، فإن مسئولية المنصب ـ حتى بدون قرار سابق للقمة ـ تستدعي من الرجل ان يبذل كل جهوده لرأب الصدع ولم الشمل ومن هنا كان الحرص على ان يكون الامين العام رجلا له المكانة السياسية والنفوذ الأدبي الذي يمكنه من ذلك، وتحقق بدرجات متفاوتة في كل الذين تولوا هذا المنصب منذ عبدالرحمن عزام وحتى عمرو موسى. ان الرجل لو لم يتحرك لكان محل مؤاخذة رسمية وشعبية. فكيف لا يتحرك في هذا الاتجاه والمنطقة على شفا الانفجار الشامل، والعدوان على الأمة العربية يتصاعد، وتصفية القضية الفلسطينية اصبح هدفا معلنا، وضرب العراق وتدميره تدميرا كاملا أصبح السياسية الرسمية للادارة الأمريكية. اذا كان البعض يتصور ان تحرك عمرو موسى هذا هو انحياز للعراق فهو خاطئ. واذا كان العراق محاصرا ومهددا بعدوان أمريكي جديد وشامل، فإنه ليس وحده الذي سيواجه الكارثة، بل العرب جميعا وأولهم هؤلاء الذين يهاجمون عمرو موسى على تحركه في الاتجاه الصحيح لانقاذ الموقف. وبغض النظر عن موقف رسمي تم اتخاذه في الجامعة العربية.. وبالاجماع يعارض امتداد الحرب ضد الارهاب لتشمل دولا عربية لم تكن طرفا في دعم الارهاب ويرفض التهديدات الأمريكية بأن تكون العراق هي الهدف التالي للحرب الأمريكية بعد افغانستان.. بغض النظر عن هذا الموقف، فإن ضرب العراق لن يكون جائزة لأي عربي، وانما سيكون مجرد مدخل للمرحلة النهائية لوضع الخريطة الأمريكية الجديدة للمنطقة موضع التنفيذ، وهي خريطة لا تكتفي بتقسيم العراق ولا بتصفية قضية فلسطين ولا بهيمنة اسرائيل ولكنها خريطة تختفي فيها دول بكاملها وتتعدل حدود وتسقط أنظمة، ويتحول فيها الحديث من (أفغنة العراق) كما يدعو البعض الآن أخذا بالثأر أو عداء للنظام العراقي ـ الى الحديث عن (أفغنة العرب) من المحيط إلى الخليج!! إن الأمر لم يعد أمر مستقبل النظام في العراق التي تدعي واشنطن انه يمثل خطرا على أمريكا!! ولكنه أصبح يمتد لمستقبل المنطقة كلها في ضوء الهستيريا التي تسيطر على الادارة الأمريكية والتي تعتقد أن كل من عارضها في الماضي أصبح بعد 11 سبتمبر ارهابيا والتي تتصور أن كل قضاياها المعلقة ومصالحها الحيوية يمكن حسمها مرة واحدة في اطار ما تسميه (الحرب ضد الارهاب). بهذا المفهوم أصبحت ايران التي وقفت موقفا ايجابيا مع الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر وباعتراف الاخيرة نفسها.. أصبحت هدفا استراتيجيا لأمريكا وعضوا في تحالف الشر الذي ينبغي القضاء عليه! وبهذا المفهوم يتم الضغط على باكستان رغم كل مافعلته لأمريكا اثناء حربها في افغانستان من أجل فرض رقابة (أمريكية) على نشاطها النووي! وبهذا المفهوم يتم اعطاء شارون المباركة الأمريكية لكي يخوض حتى النهاية حرب الابادة ضد الشعب الفلسطيني بينما الادارة الأمريكية تعلن لأول مرة في التاريخ أن مقاومة الاحتلال هي الارهاب والمذابح التي يلقاها شعب تحت الاحتلال هي دفاع مشروع عن النفس من جانب المحتلين! فهل كان المطلوب من الأمين العام للجامعة العربية أن يغض الطرف عن كل ذلك أم يتحرك لرأب الصدع ورص الصف العربي في مواجهة العدوان الاسرائيلي والعنجهية الأمريكية؟ وهل كان المطلوب من عمرو موسى أن يجلس في مكتبه على النيل وهو يشهد التهديدات العلنية بضرب بلد عربي ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية وتقسيم الوطن العربي، أم كان المفروض أن يكتفي بادانة اسرائيل و(التوسل) لأمريكا؟ كما كان تحرك عمرو موسى ضمن اختصاصاته وفي اطار تكليفات القمة العربية فإن تحركه لم يكن خارج قرارات الأمم المتحدة ولا تحايلا عليها بدليل التعامل الايجابي مع ما طرحه من جانب الامين العام للامم المتحدة، أم أن كوفي عنان أيضا تجاوز اختصاصاته وتحايل على الأمم المتحدة؟ إن الذي يتجاوز قرارات الأمم المتحدة هي الولايات المتحدة واسرائيل ومن هنا حرص الدولتين على ابقاء المنظمة الدولية بعيدة عن محاولات التسوية العربية ـ الاسرائيلية ـ ومن هنا كان الرفض الحازم من (الدولتين) لأي وجود لقرارات دولية لمنع العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني واستخدام الفيتو الأمريكي لتحقيق ذلك، ومن هنا جاء التهديد الأمريكي بعد الاعلان عن المقترحات العراقية بعودة المفتشين الدوليين بأن الولايات المتحدة ستضرب العراق حتى لو قبل عودة هؤلاء المفتشين، لأنه يمثل خطرا لا على أحد من جيرانه بل على الأمن القومي الأمريكي كما تدعي البلطجة الأمريكية في آخر طبعاتها. إن الأمر يتجاوز العراق الآن. فالتهديدات الأمريكية لم تعد قاصرة على تدمير هذا البلد العربي أو على الأصح اعادة تدميره، ولكن التهديد اصبح يشمل ايران بعد ان تم الاعلان عن محور الشر الذي ضمت اليه أمريكا أيضا كوريا الشمالية لأنها مصدر امداد ايران والدول العربية بالصواريخ البالستية. وفي الطريق سوريا التي تطالب اسرائيل لضمها (لمحور الشر) وترجئ أمريكا ذلك لخطوة أخرى. أما كيف يكون الوضع لو نفذت الولايات المتحدة تهديداتها، وضربت العراق ثم ايران ثم سوريا؟ وكيف سيكون الوضع في الخليج وفي الشرق الأوسط كله؟ فنترك الاجابة للسادة الذين يدعون لـ (أفغنة العراق) ويتصورون أن هذا يحقق الأمن لأي قطر عربي، أو أنه سيكون نهاية المطاف لأطماع اسرائيل أو لحماقة القوة الأمريكية! وبعيدا عن دعاة (الأفغنة) الأمريكيين أو العرب، فإن علينا ان نستعد لأيام صعبة نتحسس فيها الرؤوس ونترقب أين ستأتي الضربة القادمة.. فالقوة الأعظم في عصرنا لم تعد تؤمن الا بالقوة التي تمتلكها، والحرب الصليبية أعلنها بوش ثم اعتذر عنها تجد طريقها للتطبيق، وصيحات الجزع من أوروبا تعكس خوفا حقيقيا من الطريق الذي تسوق أمريكا اليه العالم. وأيا كان الطريق الذي ستتجه اليه الأحداث، فالتحية واجبة لرجل جاء الى الجامعة العربية في أصعب الظروف، فلم يعتبر مجيئه فرصة لمعاش مريح، ولم يرض أن يكتفي بالتفرج أو يحول الجامعة إلى مجرد شاهد على عجز العرب وقلة حيلتهم. التحية واجبة لعمرو موسى وهو يحاول في أصعب الظروف، والاعتذار له وللأمة كلها عن الذين يضيعون أي فرصة ولو ضئيلة لانقاذ الوضع. انه قدر الأمة أن تعيش على الدوام مع الفرص الضائعة والاحلام المؤجلة. التحية واجبة، والأمل ـ رغم كل شيء ـ لن يموت. ـ نائب رئيس تحرير « الاخبار» المصرية