غفا شاعر الامارات وأديبها حمد بن خليفة أبو شهاب غفوة لا نعلم مقدارها، ثم صحا ليتحفنا بواحدة من روائعه الشعرية تحيّرنا في وصفها، وتقصّي معانيها البديعة بين دفق الأمر الذي حمله لنا الصباح الجميل نافحاً بالشذى، واهتزاز غصن الربى طرباً ليطلق سؤاله الاستنكاري عما إذا كان يمكن ان يلام هزار الحب إذا ما صدح بعد ان أعطت العين الأذن ببث لواعج النفس فنشرت رسلها حاملة رسائل الحب الذي سمح وحطم كل الحواجز وألغى جميع الموانع. غير انه بعد هذه الانطلاقة المفعمة بالأمل عاد ليغلف خطابه بمسحة حزن تبدت في مناجاته لنفحة الفجر شاكياً لها قصر ليله وتبدل نهاره الذي لم يعد كما كان يعهده يوم ان كان الزمان ربيعاً بما في الربيع من إقبال الحياة، وتفتح الورود وطيب النسيم، ويوم ان كان الشباب ضحى بما في الضحى من فسحة الأمل وانتظار نهار طويل لم تنقض منه سوى سويعات قليلة تخلصت فيها النفس والجسد من الخمول والكسل، وألقيا بآثار النوم لينطلق المرء مع بداية يوم جديد إلى تحقيق ما لم ينفسح له الأمس فيتسنى إتمامه. وهنا تظهر رهافة حس شاعرنا، ويتجلى تدفق عاطفته وإخلاصه لربيب عمره «الشعر» ذلك الذي لا يجد وسيلة أفضل منه للتذكير بعاطفة غمرها غبار الأيام إذا ما تجنى الزمان بكر لياليه على أروع ما في الحياة، فمحا سجلات الوفاء بكل ما فيها من أغلى ذكريات الصبا ونبض القلوب ودفء المشاعر، وتلك الأحلام التي رفرفت في سماواتها طيور المنى وروت تربتها أنهار الأمل، فإذا بها مع تقادم الأيام ليست أكثر من ذكريات جميلة وأطلال حب توهج ذات يوم ثم انطفأ في قلب من أحب ولم يعد للوفاء لديه محل. ثم هو بعد ذلك يعود ليطرح اليأس جانباً، إذ لا تلبث طبيعته المحبة للحياة ان تتغلب عليه فيحثّ نفسه على امتطاء صهوة القافية والانطلاق من جديد لميادين الحب الفسيحة التي لا تقطع صلة الشاعر بها كبوة، وفي صيغة أمر لا تقبل المناقشة والجدل يلزم نفسه بأن تكتب بالشعر الحب، وأن تستشعر مواجعه وأن تدع عنها لوم القلب الذي طفح بالهوى وأسكره العشق حتى ترنح من راح الهوى الذي اتخذ منه كساءً ووشاحاً، أما أولئك الذين تصدوا ذات يوم لنصحه أو عقدوا النية على ذلك فهو يدعوهم إلى أن يجنبوا أنفسهم المشقة والعناء، ويقطع عليهم الطريق عندما يصدر قراره الذي لا رجعة فيه بأنه لن يستمع إلى نصح ناصح مهما كان موقعه منه، ولن يرجع عن حب ليلاه، فليوفروا على أنفسهم الجهد والوقت، وليمضوا إلى حال سبيلهم غير ملوين على شيء إذْ لم تعد هناك ذرة أمل بعد ان حسم الشعر المعركة وجعل ساحته تلك العيون التي ما انفكت ترسل سهامها إلى قلوب العاشقين فتسيل الدماء بينما القلوب راضية مستكينة تستطيب ذبح الحبيب لها، وتجد لذتها العظمى في الاستسلام له بعد ان استقر الحب بين الجوانح، وأقر شاعرنا بأنه أقدس ما أطبقت عليه الصدور وإن تجنّى وإن جافى وإن جنح، فهو سر الحياة الذي بدونه لا يصبح لها لا معنى ولا وجود، ولو أن عيونه نضبت ـ لا سمح الله ـ لتحولنا جميعاً إلى حياة الزهد ولم يعد لنا في شيء مطمع ولكسرنا الدنّ والقدح.. فأي حياة تلك التي يمكن ان نحياها خلواً من حب يغذي النفوس ويمدها بأسباب العيش ويجعل لها معنى وقيمة ورونقاً؟! هذا الرباط المقدس بين الشعر والحب ما فتئ شاعرنا يعقده ويوثق عراه ويردده على أسماعنا في كل مناسبة.. فهو القائل في موضع آخر: فليس كمثلِ الحب للشعرِ رافدٌ إذا جف نبعُ الشعرِ واصفرّ بُرْعُمُ وليس كمثلِ الشعرِ للحب واصفٌ دقائقَ ما يُبدي المحب ويكتمُ فلولا جيادُ الشعرِ ما خلّد الهوى أحاديثَ من هاموا وُجنوا وتُيموا غير ان غفوة خيال شاعرنا وأديبنا حمد بوشهاب أحدثت صحوة لدى مبدع آخر طالما اتهمناه بالإقلال والتمنع والاحتجاب عن ساحة الشعر والأدب، وهو الشاعر ذو الحاشية الرقيقة واللفظ الأنيق والعاطفة الجياشة والقلم الرشيق، ذلك هو الصديق محمد بن طوق، الذي تجاوب وتفاعل مع قصيدة «ما أجمل الشعر» فجادت قريحته بأبيات جميلة توشحت هي الأخرى بألوان الربيع وعطره وفرحه، وانحازت للقافية تزين بها الكون في لوحة جميلة صوّر فيها شاعرنا رساماً ماهراً أجاد رسم لوحته حتى إذا ما ضاق الاطار بالصورة راح يكمل رسمها عبر الحلم والخيال، ويسجل «بن طوق» حقيقة ان شاعرنا حاول أن يلملم زهره، لكنه لم يستطع لأن الفن لم يسمح بذلك، وحقيقة الأمر ان صديقنا قد شرب من الكأس نفسها فتحركت مشاعره ليتحفنا بهذه المجاراة الجميلة التي نقلت الصحوة إلينا وأغرتنا بالمغامرة، والانضمام إلى الركب مع ما في ذلك من مخاطرة، ولكن حسبنا ان يكون لنا شرف مشاركة هذه الكوكبة من المبدعين، ومحاولة الابحار مع هؤلاء الربابنة الكبار.. فلشاعرنا وأديبنا نقول: يا شاديَ الحب بالأشعارِ قد صدحا غفا الخيالُ فأسْريَ بالمُنَى وصحا تمايل الغصنُ إذ أنشدتَنا طرباً وعطّر الروضَ زهرٌ بالندَى اتشحا إن العيونَ لقلبِ الصب فاضحةٌ فهل تُلامُ متى كأسُ الهوى طفحا؟ في نفحةِ الفجرِ للمحزونِ مُتسَعٌ وفي الليالي سُهادٌ زادها ترحا صحائفُ العُمْرِ تُطوى فاغتنمْ وَطَراً فيه (الزمانُ ربيعٌ والشبابُ ضُحى) فتلك ذُرْوَةُ صَرْحِ الحُب تدركها نفسُ الأبي، تأبّى الدهرُ أم سمحا تلوذُ بالحب والذكرى تؤججه وأجملُ الحب ما بالوجدِ قد نضحا وليس كالحب يهدينا لقافيةٍ فأعذبُ الشعرِ ما عذبَ الهوى شرحا فإن جنحتَ لذبحِ القلبِ إذ جَرَحَتْ تلك اللحاظُ فأحلى الحب ما جنحا وإن رَضِيْتَ بظُلمِ الحب منتشياً بمن تجنّى ومن جافى ومن جرحا فتلك شيمةُ نفسٍ من سجيّتها هذا الوفاءُ وهذا البذلُ ما بَرِحا