.. وتواصل جائزة نوبل مسلسل سقوطها المروع، فالجائزة تؤكد يوماً بعد آخر انها أسيرة حسابات ومعايير غريبة تبتعد بها عن موضوعية حاول كثيرون تسويقها حتى تكتسي الجائزة بالأهمية التي علقت بها. ولعل آخر لقطات المشهد الهزلي لمسلسل الجائزة ما جاء على لسان المسئولين عنها بترشيح الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير للفوز بالجائزة هذا العام. كم كان حرياً بالمسئولين عن الجائزة ان يحجبوها في هذا الوقت بالذات، فطبول الحرب لا تزال تدق بعنف ولم تضع أوزارها بعد في أفغانستان، كما ان رؤوس الصواريخ أخذت تتوجه إلى بقاع أخرى عديدة مرشحة بصفتها هدفاً جديداً للحرب الانجلوساكسونية ضد ارهاب لا أحد يعرف معالمه أو يعلم سماته وصفاته، وهو غموض مقصود حتى يرتعد الجميع، وينضموا إلى ركب الحرب. واحتجاب الجائزة ليس أمراً جديداً، فقد حدث من قبل عدة مرات، خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية وفي أعوام أخرى آخرها عام 1976، لكن هناك اصراراً على السقوط بالجائزة في دائرة الوحل التي لا مخرج منها، وهو أمر تجلى في اختيار الامم المتحدة وأمينها العام للفوز بالجائزة في احتفالها بمئويتها، وهو الاحتفال الذي جرى على خلفية قعقعة السلاح في أفغانستان، وفي وقت تعيش المنظمة الدولية أسوأ مراحلها ووصلت بالفعل إلى قاع انهيارها واستسلامها. ولو قيض لشبح «ملك صناعة المفرقعات» أو «صانع الموت» كما كان الفريد عمانوئيل نوبل يعرف قبل مماته ان يرى ما يحدث الآن لجمد وصيته ولأعاد توزيع عائدات ثروته حتى لا تذهب لمن لا يستحق. وكان ألفريد نوبل أوصى بتخصيص جزء من عائدات ثروته الضخمة لكل من يسهم في سعادة البشرية وتحقيق رخائها، بعد ان كان قد جمع ثروته من انشاء عشرات المصانع لإنتاج المفرقعات والديناميت الذي اخترعه عام 1866 وهي الثروة التي جعلته أحد أغنى أغنياء العالم في عصره. كم هو غريب وعجيب ان يتصدر قائدا الحرب الأنجلوساكسونية بوش ومن ورائه بلير قائمة المرشحين للفوز بجائزة للسلام، أي سلام هذا وبوش نفسه هو الذي اتخذ ضده الأعضاء ال189 المسئولون عن الترشيح لجائزة نوبل للسلام موقفاً معادياً العام الماضي بعد معارضة إدارته لاتفاقية المناخ العالمية وانسحابها بعد ذلك من مؤتمر مناهضة العنصرية في اطار التدليل المتواصل لدولة الارهاب الصارخ اسرائيل، كما ان دول العالم رفضت انتخاب ممثل لهذه الادارة الأمريكية في لجنة حقوق الانسان بالأمم المتحدة. لقد نجحت الادارة الأمريكية التي ترشح رئيسها للفوز بجائزة للسلام في «عسكرة» العقل الأمريكي وجعلت الخارجية الأمريكية ركناً من أركان البنتاجون، هي إدارة أبرز عناصرها من «العسكر القديم» من ذوي العقلية «خلي السلاح صاحي» وهي إدارة تصر على احياء الدرع الصاروخية الضخمة في اطار برنامج حرب النجوم وهو البرنامج الذي كنا نحسب انه أصبح جزءًا من التاريخ بعد ان دفنته الادارة السابقة. عار على «آل نوبل» ان يمنحوا الجائزة لـ «الشيطان الأكبر» والوصف هنا ليس على لسان الايرانيين، بل هو شعار المنتدى الاجتماعي العالمي الثاني الذي انعقد في بورتو أليجري، وبات «العم سام» الممثل بوجه جورج بوش جزءًا من التظاهرات على أنواعها بالاضافة إلى صوره المشطوبة بعلامة «الارهابي رقم واحد». الكل إذن يندد بسياسات ادارة بوش الاحادية وإصرارها على لعب دور «قبضاي العالم» بحجة باطنها سياسي وظاهرها الزائف محاربة الارهاب، بينما جماعة «نوبل» يختارون رأس الادارة لجائزة السلام، فلنقل سلاماً ووداعاً لسلام نوبل الذي أصبح أداة لقتل السلام الذي كنا نعرفه.